عيسى موسى يعرض في الثقافي الروسي بدمشق: القهر في رمزية صامتة

دمشق – عمر الشيخ
النهار اللبنانية
العدد 24606 تاريخ الجمعة 30-12-2011
من أعمال عيسى موسى

لم تكن العشرون عاماً التي أمضاها التشكيلي السوري عيسى موسى في الغربة إلا درساً قاسياً في التعبير عن الذات على رغم القيود المفروضة على الفن، من هنا جاءت رغبته بإقامة معرضه الأول في صالة المركز الثقافي الروسي وسط دمشق.

المعرض مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية المختلفة نوعاً وفكرةً وأسلوب تعبير، بينها أعمال قديمة في تاريخ تنفيذها تمثل موشورات هندسية تعتمد على الهندسة الضوئية، إلى وجوه مرسومة بالفحم، وأخرى بالألوان الزيتية، كبورتريهات شخصية لأناس مجهولين، يُظهر من خلالها قدرته على الرسم المباشر.
في المعرض أيضاً بعض الأعمال التجريدية تحاكي الطبيعة الصامتة مثل البحار والجبال والشمس خصوصاً عند الغروب. نعاين الاشتغال التقني بدفق مساحات اللون عبر كتل تتمظهر في تدريجات الأصفر والأزرق والأبيض والغروب البرتقالي المكسور نحو الاحمرار، كما نصادف أعمالاً لا تقول عن رمزيتها إلا القليل على حساب إشراقات لونية وتكنيك متناسق في ترتيبه، القصد منه ربما التواصل مع موسيقى الضوء في أكثر من زاوية.
معظم أعمال موسى الجديدة حول الأحداث التي تصيب البلاد، وهي موزعة على بعض اللوحات، حيث يقارب فيها حالات إنسانية عن الفقد والقهر والقمع والوحشة والظل. لكن معظم وسائل الإعلام المحلية لم تقترب من هذه الأعمال بحسب الرسّام، إنما ركزت على القديمة التي سبق أن قدّمها لكشف مهارته وتقنياته التي توصل إليها طوال خمسة وعشرين عاماً من العمل الفني.
نشاهد طفلاً مقيداً من يده إلى الخلف ومعصوب العينين، وقد وضع وجهه على جدار من القرميد الرماد، بحيث نتلمس دلالة الموت المؤجل في أفكار الإنسان. حتى الأطفال يرحلون مبكرين. تحمل اللوحة قيماً روحية بامتلاء جسد الفتى على مساحة اللوحة بشكل X تقريباً كأنه مجرد إشارة وضعت هنا لخطأ ما!
يصدر صوتٌ خافت في لوحة ثانية، إذ يستفزك تضرع أولادٍ جلسوا خلف نحيب أمّهم التي فقدت طفلها لأسباب تشبه الأحوال الراهنة. الكادر العام للوحة هو الشارع أيضاً، حيث ثمة إيقاع يعلو وينخفض كأنه يشد الناس من قلوبهم ليكفكفوا دموع الطفولة المظلومة على تراب الضياع، وقد التحمت تلك الأجساد بليونة كأنها أغصان زيتون تناجي السلام وتطرد الموت من الرضيع الصغير لكنها غارقة في شحوب الرماد.
إحدى اللوحات التي تقوم في بنائها التشريحي وفق سوريالية تعبيرية، نشاهد فيها الفزع المتساقط من عين المرأة المفتوحة باتساع نحو فمها، ليتحول الوجه شكلاً مرعباً يحمل في طياته أثراً لفاجعة مرت على وجه جميل، صُدم للتو بخبر ما يخص هذا الشخص دون غيره، ما يمنح اللوحة خصوصية تعكسها الملامح المشغولة على تشويه تكنيكي في الوجه الطبيعي.
معظم أعمال موسى تتسم بنمط الانطباع والتعبير المباشر، فيلجأ أحياناً الى الرمزية كي يشفّر ما يريد قوله ليمر بأسئلة إنسانية يتركها للمتلقي. هذا ما نشعره ونحن نشاهد أعماله الأخيرة التي ولدت من وحي المرحلة الراهنة. يقول لنا حاولوا أن تركزوا على هذه الأعمال، مشيراً إلى حكاية الحدث ومواجهته، وتحديداً إلى أجساد النساء اللواتي يرقص في نحولهن وحزنهن على إيقاع الألم. أما في الضفة الزيتية فتجتمع ثلاثة وجوه مرتبكة بطيفها الأزرق، تربطها خطوط بسماكات لونية كأنها خلف قضبان الكلام، تتحدث بعيونها ووحشتها بسرعة كأنها ستتلاشى بعد قليل.

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s