أرشيف الأوسمة: مقالات في مجلة أبيض أسود

معرض شتاء “فري هاند” تنويعات تهجر الضوء

معرض شتاء “فري هاند” تنويعات تهجر الضوء

عمر الشيخ
النهار اللبنانية
30 -آذار -2011


واحد وعشرون فناناً سورياً اجتمعوا في معرض جماعي تضمن أعمالاً تجريدية وانطباعية واقعية، إلى جانب بعض المنحوتات، في “شتاء فري هاند” بدمشق. ثمة تنوع في المواضيع وتعدد في تواريخ إنجاز الأعمال يومئان الى أن المعرض لم يخصص لطقوس الشتاء ولا إلى أحاسيس هذا الفصل القاسي، وأنه لا يقدم فكرة ذات روح واحدة بقدر ما سعى الى تحاور بعض تجارب الفن التشكيلي. يحاول أحمد يازجي تقصي خصور أربع نساء من جغرافيا الأشجار، متداولاً انحراف الخطوط الخلفية التي تظهر قلق جسد الأنثى وحالاته في خليط من تدرجات اللون الأخضر. هناك عمل مقابل له، يتشح بالرمادي والأخضر القاتم كدلالة رمزية على يباس الشجر، مقترباً من عذابات اللذة في أشكال أشجار على هيئة أجساد إناث ناضجات. هذا الدفء الباحث عن جذع ضوء في الفراغ، يفتح جسراً إلى لوحات إسماعيل نصرة التي تجسد نساءً نحيلات تغطي أجسادهن أثواب دمشقية ذات نقوش حرفية وزخرفات فارسية، كما لو أنها سجادة شامية تتسع على شفق أصفر يلفّه خيط فحمي. الوجوه في لوحته تتقد بالليالي المستعدة لإضاءة الروح العاشقة، التي تمد أصابعها بشقوق صغيرة نحو أقدام العصافير ذات الأجنحة اللانهائية، بألوان قاتمة وموحشة على أثواب مطرزة بحروف ومقاطع شعرية. في صمت اللوحة لدى أسعد فرزات صراع، حيث باب على شكل قوس في عمق اللوحة وقد انتصفت خلاله امرأتان الواحدة خلف الاخرى تشيحان بوجهيهما نحو اليسار وتطلقان أيديهما نحو ثوب منتصب على هيئة شبح، كأنما الخوف يتسرب من هذا الكولاج المنعقد في ضربة فرشاة في منتصف اللوحة تمثل ظل قمر أو فسحة صوت، ربما لكسر خوف. نشاهد في أعمال فلادا اشتي مشاهد لطبيعة صامتة، تنتمي إلى مشهد الصورة الفوتوغرافية، إلا أن الفرق هنا يأتي من مقدرة اشتي على ضبط مساحة التناغم اللوني بين احتمالات ما يمكن أن يظهر في السماء وما ستتركه اللوحة في تطوراتها النهائية، فنشاهد الغيوم بلون البنفسج والشمس ليمونة شتوية أما البحيرة فتحجز بشكل هرمي بعد الشمس وتوصل الضفة بدروب من العشب ورماد الأقدام. تشتغل غادة دهني على نساء يرقصن في تدريجات الألم والفرح، بفساتين لها طعم الفرح والفقر، تأخذ أشكال موجة البحر ورماح الجليد المكونة في أكواخ الصقيع. تنتمي لوحة دهني إلى لغة تعبيرية ماهرة التلوين حيث تتفتح النسب الحسية لتقارب شخوص اللوحة عبر الأيادي المتلاشية رويداً. منحوتات غزوان علاف تغمض عيونها وتنهمر في التصاقها كما لو أنها فلقة لذكر الكستناء وقد أخذ له صورة تذكارية قبل التوحد مع أنثاه الناضجة للتو. ثمة أيضاً منحوتات لعبد العزيز دحدوح من البرونز، فيها أجساد منحنية تصوّر انفعال الولادة أو التضرع الى السماء. عمل عزة بشير ألوان قمحية تقارب في ريفيتها مشهداً لنساء يقفن بأبعاد متدرجة من الخلف حتى الأمام، تشحب ألوان ثيابهن في نهاية اللوحة بينما تتألق كلما تقدمنا نحو الشخوص الأقرب، وهذه الدلالة الرمزية تقارب انطباعاً حسياً عن العمر.

صفحات أدب الشباب منابر هواة أمّ مكاشفة للأصوات الجديدة..؟!

صفحات أدب الشباب منابر هواة أمّ مكاشفة للأصوات الجديدة..؟!

تاريخ13-12-2009
العدد 339
تحقيق الكاتب: عمر الشيخ

تتعدد منابر النصوص الجديدة القادمة من مختلف الفئات العمرية، لكن مصطلحات من نوع (أدب شباب، دروب الإبداع، كتابة جديدة) تعبر عند البعض عن مفهوم مغلوط عموماً، بمعنى آخر قد تبدو النصوص المنشورة في تلك الصفحات تنتمي ببنيتها الفنية إلى لغة شبه مألوفة أو ربّما جديدة إلى حدّ مختلف، بحيث أنها لا تقتصر على جيل الشباب فقط، بل هي مفتوحة على الاحتمالات التي تقترح تجارب جديدة مفعمة بالخصوصية ويزيد عُمر أصحابها عن جيل الشباب، فتتعرض تلك النصوص إلى غربلة حقيقية بمبضع النقد إلى أن يكشف عن الأصوات الحقيقية المميزة التي ستقدم فيما بعد للذائقة الثقافية.
إن فكرة رعاية تلك المواهب الجديدة تبدو شائكة في الوسط الثقافي السوري، حيث تصور لنا تلك الفكرة جانباً حساساً من كيفية نمو المواهب الجديدة حيث تتلقف الصحف المحلية نصوصاً من تلك الأنواع الموصوفة بالعثرات الأولى والارتباك المبكر والمتراوحة بين الهواة وبين من يرغبون في التكريس الدائم، حيث يمتلكون ملكة الكتابة المشابهة لأزمنتهم أحياناً، إلا أن تنوع ذائقة المشرفين على الصفحات المعنية بذلك تبدو ذات سويات متفاوتة وأخرى اعتيادية وثالثة تحاول التوازن وفصل الذائقة الشخصية عن الحساسة الجديدة لكشف النص الجديد الذي يحمل أمل تطور في الأسلوب وطريقة الالتقاط، سواءً كان النص شعرياً أو روائياً أو قصصياً أو خاطرة أو غيره من باقي أجناس الأدب.
صفحات ضيقة لمواهب واعدة:
الصحفي والشاعر زيد قطريب المشرف على صفحة أدب الشباب في جريدة تشرين السوريّة يحدثنا عن تجربته الراهنة مع الشباب وتعامله المستمر مع نتاجاتهم الخام، ويشير إلى قلة الاهتمام من قبل المكرسين في الشأن الثقافي خلال نظرتهم الخاصة لصفحات إبداعات الشباب مؤكداً قوله: (أستغرب كثيراً عندما يعتقد البعض أن النصوص سوف تنتحر بعدهم، فلن يكتب أحد شـعراً أو نثراً أو قصة قصيرة.! فصفحــات الأدباء الشــباب غالبـاً ما تتعــرض للعديــد من محاولات التقليـل من شــأنها أو أثرهــا أو اختلافهـــــــــا عـــــــــن السائد وتضمنها الكثير من الأسماء والأخيلة الجديدة!).
ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى هذا المنتج الجديد بشوائبه على أنه فعل حساس يفيض بالعاطفة الحقيقية الصادقة ويتصل بالبوح الإنساني ويترك فسحة التفاؤل أكثر اتساعاً، لكن قطريب يصرّ على أمله الكبير في العثور المستمر على نصوص جديدة حقيقية قادمة من عنفوان نقي أحياناً يترك للقارئ التمتع بالدهشة على مزاجه رغم ضيق المساحة.
يختلف الأمر في جريدة البعث حيث صفحة دروب الإبداع التي يشرف عليها الشاعر والصحفي محمود السرساوي منذ فترة طويلة، تسمح الصفحة بنشر نصوص مختلفة السوية بين القصة والشعر والكتابات النثرية، بمساحة صفحة كاملة أسبوعياً، تنشر أنواعاً مختلفة من الشعر حيث يركز مشرف الصفحة بشدّة على تلك الحساسية الجديدة في الكتابة قائلاً: (وظيفة الصفحة بالدرجة الأولى هي التقاط الموهبة إن وجدت، ثم جعلها شريكة في تصور وقراءة إبداع الصفحة، يلاحظ ميل شديد إلى استخدام السردية في الكتابة الشعرية ولكن هذا السرد يحتاج إلى تمكن، لأن السرد بطبيعته نثريّ بينما الشعر اختزالي) إلا أن السرساوي يصادف تجارب عمرية لم تتجاوز العشرين وتكتب أفضل ممن هم في الخمسين.
الكتابة الجديدة بلا تقنية معاصرة!
يتفق كلا المشرفين على صفحات الكتابة الجديدة، قطريب والسرساوي على مسألة غياب التقنية الحديثة في شحذ الأدوات اللازمة لصناعة نص مختلف حيث يضيف قطريب: (ربما يمكننا الحديث عن بعض الثغرات التقنية وضرورة الاشتغال أكثر على صعيد سوية النصوص المنشورة ومتابعة تجارب أصحابها).
ويصوب إلى ضرورة اتساع مثل هكذا صفحات قائلاً: (فيما يخص وجود مثل هذه الصفحات فإنه أكثر من ضروري، ولن أذكّر هنا بما قاله الراحل محمود درويش عن متابعته لصفحات الأدباء الشباب واستفادته من مخيلاتهم في فتح آفاق أخرى بالنسبة إليه، فكل تجربة كما هو معروف تمتلك ذاتها وتستند إلى مقوماتها بشكل ما).
ويشدد السرساوي على جانب التأثر المفرط بتلك الأصوات المكرسة في تجاربهم الطويلة في كل أجناس الأدب، حيث يعتقد أن التشابه المنسوخ هو تشوه دائماً: (على الكتابة أياً كان جنسها أن تمتلك خصوصية لأن من «يتشبّه، يتشوّه» هذا لا يلغي الاستثناءات التي أشرنا إليها بظهور أقلام تستطيع أو تحمل بذور الإضافة ولكنها قليلة جداً).
ويرى السرساوي أن غربلة الأصوات الجديدة مع بعضها وطرحها كما هي للذائقة تحتم حاجة ملحّة لجعلهم أقرب إلى كشف بعضهم والاستفادة من تجارب بعضهم: (معظم الأصوات الجديدة تحتاج إلى رؤيتها الخاصة، ولا يأتي ذلك إلا عبر الحوار المختلف وطرح الأسماء الجديدة إلى جانب بعضها وإفساح لهم فرصة كشف عوالم بعضهما واقتراح أسئلتهم الخاصة).
صفحات تؤسس ربما لكتابة جديدة!
بالنسبة لصفحة أدب الشباب في جريدة تشرين بحسب قطريب فهي أسست لأسماء كثيرة الآن في الوسط الراهن، وقدمت رؤيتها الواضحة في التماس المباشر مع الأسماء الجديدة ذات اللمسات الخاصة، يضيف قطريب: (صفحات الأدباء الشباب ليست ترفاً، أو تنفيعة، أو تحصيل حاصل، ويمكنني الآن أن أذكر العديد من الأسماء التي انطلقت من هذه المنابر الصغيرة، ما يؤكد أهميتها ودورها بغض النظر عن أية ملاحظات يمكن أن نتحدث عنها عن هذه الصفحة أو تلك..إلخ).
ويخص قطريب هنا الكثير من القائمين على الثقافة بعدم تحذلقهم بحق الأصوات الجديدة: (المهم في نهاية المطاف ألا يعتقد أحد أن العالم سينتهي عند حدود تجربته أو أن المجتمع سيتحول إلى عاقر لا ينجب الشعراء أو الكتاب، فالعالم لا يمكن أن يستمر بلا شاعرية نهائياً، دعونا لا نكرر اختراع الأصنام ذاتها مئات المرات!.).
الرسم بالكلمات نظرة أخرى:
ترعى جريدة الثورة الإبداعات الجديدة عبر صفحة الرسم بالكلمات التي تشرف عليها الشاعرة والصحفية سوزان إبراهيم، حيث تختلف التجربة هنا قليلاً، لأن هذه الصفحة تتقبل الدراسات النقدية التي تكتب حول التجارب الجديدة وتناقش قضايا جوهرية راهنة تهم الجيل الجديد، وهي صفحة دورية أسبوعية تصدر ضمن صفحات الجريدة الرسمية، وعن مدى فاعلية تلك المنابر عموماً وفي جريدة الثورة خصوصاً: (هناك شريحة من الجيل الجديد تستهجن أن تسمّى كتابتها بأدب شباب لأن الشارع السوري يطلق هكذا تسمية على كتابات الهواة، إلا أن صفحة رسم بالكلمات في جريدة الثورة تلتقط الأصوات الجديدة التي لا يسلط عليها الضوء إعلامياً، وهي تحتمل المقترحات التي يحملها الجيل الجديد من الكتّاب من قصة وشعر ونقد، لكن هذا الأخير فقير للغاية في هذه الصفحة، ليس ثمة من يكتب نقداً متيناً ودقيقاً، هي مجرد محاولات من المرجح أنها تشِي بتطور قادم كما أعتقد).
أمّا فيما يخص قابلية الكتّاب الجدد للحوار، تؤكد أن الجيل الجديد لا يتفاعل كلياً مع ما يقدمه من نتاجات ولا يبحث عن فرصة للنقد الموضوعي بقدر ما يصرّ على نشر قصيدة أو قصة وليحصل ما يحصل هذا لا يهمه.
أخيراً..
معظم الكتاب الجدد يتبعون خطة رائجة ومنتشرة وهي أن يسافر أحدهم إلى خارج البلاد ليحصل على جائزة مادية ومعنوية من مسابقة ما مع بعض التطبيل والتزمير رغم كلاسيكية منتجه ومحدوديته، ثم يعود إلى الوطن منتصراً ومشهوراً، ويؤكد للجميع أن الآخرين احتفوا به أكثر من القائمين على الشأن الثقافي في وطنه، ترى ما الحلّ للحفاظ على ذائقة جديدة تحتفي بالكتابة الجديدة بعيداً عن فكرة الكتّاب الهواة والخلط بينهم وبين من يبذل جهده في أن يكون (أناه)؟.

مشروع مؤجل لاحتفالية لن تعود

مشروع مؤجل لاحتفالية لن تعود

عمر الشيخ
العدد 301

بعيداً عن صخب الفعاليات التي كان لها أثر جيد وتنظيم أقرب إلى الفشل، سجلت احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية (2008) في رصيدها عدداً من الفعاليات المتواضعة، رغم أنها كانت مطالبة بأكثر من هذا كما كان يأمل الناس، فالشللية والمريدون كان لهم أحياناً دور حقيقي وبارز في حمل راية الاحتفالية ووضعها فوق إنجازاتهم التي لم ترتق إلى حالة الإبداع أحياناً، وفي فرض وجودهم في العبارة ذائعة الصيت، الأصوات الجديدة، رغم أنها لم تكن دائماً بالمستوى المطلوب، فبينما كان من المفترض أن تصدر الاحتفالية (100) مجموعة شعرية ترصد المشهد الشعري الراهن في سوريا، كلف أحدهم أن يختار لجنة مؤلفة من أصدقائه الشعراء، وأن يختار باسم اللجنة (12) مجموعة شعرية أغلبها ضائع الهوية، ويتبع لغة المراوحة في المكان شعرياً وإبداعياً، كما يقال وفازت شلة (طاولة مقهى الروضة).
وكان من المخجل أن يحتفى بالشعر فقط بمناسبة واحدة (مهرجان الشعر العربي المعاصر في دمشق) وبعض الكتب الشعرية للشباب؟ ويستثنى الكثير من رواد المشهد لحضور مثل تلك الفعالية الفقيرة للجمهور والمكشوفة للسقوط الإبداعي!!
والانسحابات من إدارة الاحتفالية في بدايتها بين العجز الذي وصلت إليه في نهايتها، حيث مثلت الاحتفالية صورة التوابع الذين يعملون تحت أمر أحد الديكتاتوريات الثقافية، فكان معظم مثقفي الحالة الراهنة بعيدين عن المشاركة وإدلاء الرأي وتحسين آلية العمل المشترك، ونتج عن ذلك أن أكثر الفعاليات التي تخبّطت تنظيماً وصداً كان سببها حمّى ديكتاتورية الثقافة (مع أن الثقافة والديكاتورية لا يجتمعان).
الشعر، هذا الفن الذي ظلمته كثيراً احتفالية العاصمة، نظراً لأن بعض القائمين عليها كانوا متحيزين للمسرح، أي لفنون الأداء بحيزها المتواضع، ورغم أهمية المسرح، فقد شغلت هذه الفنون الاحتفالية بما لا يغني ولا يدهش في أغلب الأحيان.
فمثلاً كان غياب الاحتفاء بالشاعر الراحل رياض الصالح الحسين الذي يمثل اسماً مفصلياً في المشهد الشعري السوري، هو بحد ذاته إجحاف بحق الشعر، وتصرف غير مشروع للأمانة الإبداعية، لم يتذكره أحد وإن مرّت ذكراه، فكان البعض يكتبون بضع المقالات الرثائية الهشة، ولا يتذكر القائمون على الشأن الثقافي الشعري في الاحتفالية المساهمة بصنع ما هو تكريم بسيط لما قدمه الراحل رياض الصالح الحسين من روائع قاربت العالمية، فعلى الأقل كان من المأمول أن تطبع أعماله إلى جانب ما تم طبعه وتوزع ليكن درساً للشعراء القادمين، وطبع أعماله لن يؤثر على ملايين الاحتفالية التي كانت قد وضعت في خدمة الثقافة..!
رياض الشاب الذي رحل في السابعة والعشرين من العمر، مخلفاً أربع مجموعات شعرية هي (خراب الدورة الدموية «1979» – أساطير يومية «1980» – بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس «1982» – وعل في الغابة «1983») وكانت الأخيرة بعد رحيله، مرت الاحتفالية دون أن تتذكره برغم من التطبيل والتزمير لشعراء محليين، بعضهم لا ينتمي للشعر لا من قريب ولا من بعيد، من وراء هذا الهباء للاحتفاء بالشعر بمؤسسيه الحداثيين..؟ ترى هل تجيبنا خاتمة الاحتفالية الخافتة إلى ما يمكن لدرء الفضيحة؟ أهو خطأ إداري؟ أم مشروع مؤجل لاحتفالية لن تعود؟

احتفالية دمشق 2008 عاصمة الثقافة العربية

سينما الواقع.. (DoxBox) صور شعاعية للإنسانية

سينما الواقع.. (DoxBox) صور شعاعية للإنسانية

عمر الشيخ
العدد 304

عادةً تقتفي السينما الخيالية الكثير من طرق المتعة لدى المشاهد، وتعتمد في ذلك على قدرات الإخراج السينمائي وموهبة الممثلين حسب الظهور والكاريزما، وعلى ذلك يمكننا قياس آلاف الأفلام الرديئة من المميزة، ففي ذلك جزء كبير من الاتجار بالثقافة البصرية.
في أكثر الأحيان ثمّة حاجة لوجود فيلم سينمائي واقعي لا يرتكز على ممثلين ولا مؤثرات سينمائية هوليودية، إنما هو سينما لا نجوم فيها مجرد مونتاج لقصص بلسان أصحابها، البشر العاديون هم أبطالها، وأكثر صناعها فقراء في الغالب ومظلومون أيضاً، فجاءت ظاهرة الأفلام التسجيلية محطة اهتمام في ذاك النوع من السينما، وفي تجربة هي الأولى من نوعها، افتتح في العاصمة دمشق أسبوع سينما الواقع الذي استقطب حوالي (40) فيلماً تسجيلياً، عرض في صالتي الكندي والقباني، في ظاهرة فريدة من نوعها سببت الكثير من الزحام في صفوف المثقفين وأنعشت التعابير البصرية بكل بساطتها وأهميتها الإنسانية.
هكذا تناوبت كلتا الصالتين المحليتين في استيعاب جمهور العابرين من الناس في العاصمة دمشق، لينفرد كل يوم بثمانية أفلام تسجيلية عربية وأجنبية، وهي في أكثر تألقها حالة إنعاش للذاكرة الثقافية، وتركيب مختلف لصور الحياة، إلا أن الضغط الكبير والمدّة القصيرة هو ما ميز هذا الكم الكبير من الأفلام، وبرغم ذلك كان الحضور جيد وله وجهات نظر إقناعية ونقدية، حيث تناولت الصحف العربية والمحلية هذه الظاهر بطريقة لا بأس بها، رغم أنها تقريرية وتفتقد للمصطلح النقدي، لكن تحتفي على الأقل بهذه الظاهرة على أنها ضرورة ملحة، وتقترح رؤية معاصرة لتوثيق الهموم الإنسانية، وطرحها بتكاليف أخلاقية حقيقية، خلفيتها البناء الدرامي للواقع بحسب الناس الذين يعيشونه، بكل تفاصيل حياتهم بلا اصطناع نفسي أو حركي.
فالمادة السينمائية في الأفلام التسجيلية تختلف كثيراً عن الأفلام الوثائقية، حيث أن هذه الأخيرة تحمل وجهة نظر مخرجها ومعدها، لكن سينما الواقع هي شهادات مؤسسة على واقع حقيقي، مادتها الحيوية الناس العاديون، الذين لا يعرفون التمثيل إنما يمكنهم فتح قلوبهم والبوح بأسرارهم وتجاربهم المعاشة في حياة قاسية الظروف أحياناً، وأحياناً أخرى هي مرتع للمرح والمغامرة.
إن موضوعية العمل التسجيلي السينمائي تقف على محك الانتشار، حيث لا يوجد مروج دعائي يتبنى هذا الحدث، والدليل هو حضور كل العروض بالمجان، ليس لأن التظاهرة حديثة الولادة ولكن حتى يتسنى للقائمين على ذلك فتح معبر بين الصورة المعاشة بتفاصيلها الطبيعية لدى البشر وبين المتلقي المحلي والأجنبي، خلال خطوة واثقة في توسع أفق الحوار الثقافي في رصد تاريخ أمم ومجتمعات مختلفة الجنسية.
مثلاً في فيلم (المنام) للمخرج السوري محمد ملص الذي سجل عام (1981) وتم إنهاء تحضيره للعرض عام (1987) وعرض لأول مرة في تلك الآونة، هو عمل نادر جداً، يتحدث فيه ناس أقاموا في مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين ذلك قبل المجزرة عام (1982) يقوم هذا الفيلم التسجيلي على أحلام لا على واقع، يحكي فيه النساء والأطفال والعجائز والمقاتلين عن حياتهم اليومية، من خلال أحلامهم وكوابيسهم، في الأحلام يجد الفلسطينيون ما يفتقدونه في الواقع عيشاً كريماً، إلا أن المفاجأة هي أن الفيلم أنتج بعد المجزرة وما تم تسجيله قبل المجزرة مع أولئك الناس هو أيضاً كالحلم، لأن كل من تحدثوا لم يعد يعرف لهم مكان بعد التصفيات التي قام بها العدو الإسرائيلي في تلك الحقبة.
إن تعاطي المشاهد بعواطفه البصرية والإنسانية مع تلك الظاهرة وما تنتجه، ما هو إلا تثقيف مميز يولده وعي معرفي في البحث عن الذات، لأن المكتشف اللاحق لتأثير التجربة تلك هو مرايا عاكسة ليومياتنا نحن البشر الطارئين في الحياة القصيرة، نقتسم مع تلك الشخصيات التي هي جزء من تكوين المجتمع، همومها وأفراحها وترحالها وذكرياتها العابقة بألق المتعة ولمس خفايا الروح بكل بساطة، والمطلوب هو أرشيف منزلي ربما، وصور مهمشة، بشر وأمكنة غائبون عن الأضواء، أحداث وزمن لا يتوقع أن نفاجئه بكاميرا فيديو تسجل بعض دقائقه، أيضاً سيلزمنا عدسة شخص موهوب ومحترف، ترصد العفوية وتنقل خفة الكائن التي لا تحتمل كما يقول الروائي (ميلان كونديرا) تلك الأفلام التسجيلية الواقعية في معظم بناها، ورسالتها هي أهمّ وأكثر صدق من الأفلام السوريالية والأكشن والرومانسية المصطنعة بنجوم ومسحات تجميلية مختلـقة ليس إلا.
تسرد الشخصيات عن تجاربها النادرة مقارنة مع العظماء من العالم، أمانتها هي الوثيقة المحكية التي تتراص عليها فكرة الفيلم، الرأي أو المقولة هو البيان الذي يحمل هوية تلك الأفلام السينمائية، المنطقة الجغرافية بين طبيعة خلابة وجبال عالية وعشوائيات متعبة، تطلع لنا تلك المشاهد بارتباك الراوي ونشره لحقائق معرفية تُراكم لدى الآخر الكثير من الأسئلة الصعبة، إشارات التعجّب كثيرة، والدهشة مميزة، حكايات عن الماضي وصور تالفة ابتلعتها الذاكرة.
أيضاً في تأريخ الذاكرة ثمّة فيلم مميز عنوانه (ساعة أخيرة معكِ) لمخرجة إيطالية تدعى (ألينا مارازي) حيث تقوم المخرجة بعد مرور ما يقارب ربع قرن بالعودة إلى الذاكرة لاستعادة قصة حياة والدتها التي هجرتها وهي في السابعة من العمر، ذلك باستخدام الأرشيف المنزلي للصور والمذكرات الخاصة بأمّها ورسائلها التي كانت تبعثها إليها في فترة بعدها عنها، حيث كانت المخرجة تقيم في (إيطاليا) وأمها تقيم في أمريكا بسبب مرض عضال استعصى الشفاء منه أودى بحياتها فيما بعد.
يطوي الفيلم الكثير من الصفحات واليوميات القاسية والصور الغامضة التي تتوارى وتظهر مشكّلةً نمواً درامياً موثّقاً، ويعتمد على أسلوب الرواية القصيرة المبنية على صور عابرة لمشاهد تلتقط نبوءة عيني الشخص بما دوّنه خلال نفس الفترة التي يعيشها، كأنه هو من يتحدث عن أحواله وانهياراته النفسية، كأنه خجول من أرشفة حزنه وتسجيله كدرسٍ في الصبر والتضحية، وكيف لا يعظم ذلك وبطل القصة (أمّ حقيقية)..؟
سينما الواقع متعة مشتهاة في معظم نتاجاتها، وظاهرة مهمّة ومميزة، يديرها كادر من الشباب النشيط والفنيين المختصين، جهد كبير يبذل لإنجاح هذا المشروع الذي يطبق عامه الثاني مقتفياً أثر الإنسانية بصورة شعاعية عن الحياة، يلتقطها بشر طارئون لا تهمهم الشهرة

سينما الواقع 2009