أرشيف الأوسمة: مقالات في جريدة شرفات الشام

أفلام من تظاهرة المخرج الفرنسي إيركر رومر سينما الأفكار المدهشة

أفلام من تظاهرة المخرج الفرنسي إيركر رومر سينما الأفكار المدهشة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد90
مرئي ومسموع

ضمن تظاهرات مهرجان دمشق السينمائي الدولي الثامن عشر عرضت بعض أفلام المخرج الفرنسي الراحل “إيركر رومر” (1921-2010) الذي تميَّز عمله السينمائي بالاعتناء الشديد بالحوارات التي تدير دفة أفلامه وترسم ملامح بصمته الخاصة، إذ إنه يحاول في كل تجربة جديدة له الولوج إلى الهوية الإنسانية ومتغيراتها بعيداً عن المؤثرات البصرية يستعيد «رومر» العهد الأول للفكرة، ويبني على أساس تطورها احتمالات غريبة، سواءً تحول الفيلم إلى إبحار ظني في السوريالية أو تجمد ضمن كوادر قليلة لينقل ضجيج هذا الكائن العجيب الذي يطلقون عليه في الحياة (الإنسان). هنا نطالع نموذجين مختلفين لأسلوب «رومير» في تطبيق الفكرة، وسوف نلاحظ مدى تأثره بتجاربه الروائية السابقة وذلك من خلال تصاعدات الأخذ والرد التي يؤديها أبطال أفلامه.

“قصة حب أستري وسيلادون” قيم إنسانية غائبة
يعود «رومر» في هذا الفيلم إلى قصة رواية كلاسيكية من القرن السابع عشر لينسج بواسطتها قصة أخلاقية معقدة، ترصد قصة حب تدور أحداثها بين شاب وفتاة يوشكان على الزواج الجدي،إلا أن حدوث سوء تفاهم بسيط بينهما حال دون إكمال هذا الزواج، مما يصيب قلبيهما بالفراق المرير،يرتبط سيلادون (آندي جيليه) وأستري (ستيفاني كراينكور) بعلاقة حب قوية جداً ويقسمان ألا يتركا بعضيهما، إلا أن الشاب سيلادون يقع في إغواء فتاة عابرة فتشاهده حبيبته أستري وهو يُقبِّل تلك الفتاة على ضفة النهر المطل على قريتهما فتقرر حرمانه من رؤيتها أو مساسها إلى آخر العمر . وبعد مرور فترة من الزمن تصاب أستري بفزع مفاجئ عندما تكتشف أن سيلادون حاول الانتحار بإلقاء نفسه في النهر حين وصل إليه خبر قرار أستري بالابتعاد عنه، لكن سيلادون يصادف فتاة من المجتمع المخملي (فيرونيك ريمون) تنقذ حياته في اللحظة الأخيرة بسبب غرامها المباغت له. يحاول سيلادون يائساً استعادة حبيبته أستري فيوافق على العمل بنصيحة كاهن يفيده بأن الطريقة الوحيدة لاسترجاع محبوبته هي التنكر بزي امرأة في محاولة لإقامة علاقة صداقة مع أستري، وبالفعل لا تمضي فترة طويلة حتى تتوطد العلاقة بين أستري وهذه الفتاة (سيلادون المتنكر) وتمضيان أحلى الأوقات معاً وتتبادلان القبل والعناق، ولكن حين تقبل أستري على ملامسة صدر صديقتها الجديدة تفاجأ بأنه شاب، عندها يكشف سيلادون عن هويته الحقيقية فيضمها بشغف كأنه يلمسها للمرة الأولى.. الفيلم انتاج عام2007، لكن أحداثه تدور في نهاية القرن السابع عشر بناءً على القصة الخيالية التي اقتبسها «رومر».
نلاحظ في هذا الفيلم مدى احتفاء العاشق بفلسفته الخاصة حين ينعزل في الغابة بعيداً عن حبيبته ليصبح فيما بعد متأملاً وحيداً، يفكر بنورانية روحه كيف يمكن أن يرى حبيبته دون أن يؤذيها مرة أخرى، تلك المثالية الخيالية يصوغها لنا «رومر» بوجهين فكريين، أولهما السخرية من غياب تلك المبادئ الإنسانية السامية المتعلقة بتأنيب الضمير والإخلاص، وثانيهما، الحامل الكوميدي البسيط لتلك القضايا الكبرى، ألا وهو لغة الاختفاء والظهور لتكوين الشوق وإعادة المياه لمجاريها.

فيلم “زوجة الطيار” حكاية عن غرام السذج
في هذا الفيلم نشاهد قصة بسيطة للغاية تدور حول حكاية الحب الأول وتعلق معظم الناس به، إذ يرصد قصة عودة الطيار (كريستيان) إلى عشيقته (آن) السابقة ليعلمها بإنهاء علاقتهما، لأن زوجته حامل وسيضطر للانتقال معها بعيداً عن المدينة التي تقطن فيها، إلا أن عشيقته كانت قد أحبت شاباً يصغرها بعدة سنوات يدعى (فرنسوا) ومن باب المصادفة يشاهد عشيق (آن )الجديد (فرنسوا) خروج (كريستيان) و(آن) معاً من منزلها فيظن أن العلاقة بينهما مازالت قائمة، ثم يحاول (فرنسوا) الاتصال بآن لكنها ترفض التحدث إليه. وبينما يجلس (فرنسوا) في إحدى مقاهي الرصيف المكشوفة يشاهد (كريستيان) مرة ثانية وبصحبته امرأة مجهولة فيعتقد أنها زوجته، وبما أنه في مزاج سيء ولا يعلم ما ينبغي القيام به، يقرر اللحاق بهما. وخلال هذه المتابعة يدخل (فرنسوا) إلى متنزه ويصطدم من دون قصد بطالبة حلوة في ربيعها الخامس عشر تدعى (لوسي) يبدو أنها خرجت من مدرستها ذلك اليوم في إجازة. سرعان ما تستدرج هذه الفتاة (فرنسوا) الذي يكبرها بخمس سنوات كي يروي لها ما حدث معه بالتفصيل. تشعر (لوسي) بالإثارة لسماعها هذه القصة وخصوصاً المواقف الغامضة التي تتقاطع مع قصة (فرنسوا) فتنضم إليه من أجل تعقب أثر الطيار والسيدة التي ترافقه ويبدآن بتأويل الأحداث وخصوصاً عندما يدخل الطيار والمرأة إلى مكتب محامي. تؤكد (لوسي) لفرنسوا أن تلك المرأة هي زوجة الطيار وأنهما دخلا إلى مكتب المحامي بغرض الطلاق. وفي فترة لاحقة يقوم فرنسوا بزيارة (آن) التي تخبره أن السيدة التي كانت بصحبة الطيار هي شقيقته وتؤكد له أيضاً أن علاقتها بالطيار (كريستيان) قد انتهت. وبعد استياء فرانسوا من حبيبته التي تكبره بسنوات يفكر بإرسال بطاقة إلى (لوسي) الصغيرة لينقل إليها هذه الأخبار، لكنه يشاهدها تتبادل القبل مع فتى آخر فيشعر بخيبة أمل فظيعة تقوده لمراقبة عشيق لوسي..
يكشف الفيلم من خلال حواراته المطولة تلك الخفايا اللإرداية التي يقدم عليها الإنسان في تأجج العاطفة، فيتحول إلى شخص ساذج وشبه معتوه، كما حدث مع فرانسوا الذي فتح قلبه للفتاة العابرة (لوسي) وأخبرها بكل شيء رغم أنه استدرجها لتخبره عن أحوالها الاجتماعية والعاطفية فكذبت عليه وأكَّدت أنها لا تحب أحداً إنما تتبع الناس مثله، لولا سذاجة فرنسوا وبساطته لما استطاعت لوسي اكتساب وقت مسل معه لدرجة أنها أعطته عنوان بريدها بدل رقم الهاتف لأنها لن تهتم بشأنه سواء اتصل أم لا، ثم إنها أثبتت للوهلة الأولى أنها مجرد داعم إنساني يود مساعدة العاشق الساذج (فرانسو)..هنا ندخل من جديد مع «رومر» في تلك النماذج الحقيقية من الناس البسطاء الذين يفاجئهم الكذب وتسحقهم حقيقة من يتوددون لهم وهو مزيفون.

السيت كوم السوري ذكاء درامي آخر..!

السيت كوم السوري ذكاء درامي آخر..!

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
مرئي ومسموع
العدد77


كوميديا المكان الواحد، أو الموقع، ولكن كيف يبرمجها صنَّاع الدراما السورية إلى لغة بصرية؟ لقد قدَّمت الساحة الدرامية نماذج مختلفة تصبُّ في خدمة هذه التقنية المتخصِّصة باقتصاد الحجم البصري لأماكن التصوير، والتي تعتمد بشكل كلي على طبيعة النص المقدَّم (القصة القصيرة) في البيئة البصرية الموحَّدة، بالإضافة إلى أهمية القدرة الأدائية التي يتمتع بها الممثل أثناء تبنيِّ الشخصية أو المشهد ككل، ولكن مع ازدياد مغريات التنقُّل بين أماكن طبيعية جديدة باتت حاجة المشاهد إلى مسلسل يُقدِّم له سياحة ودراما معاً ضرورة جماهيرية قائمة بقوة، مع ذلك لن يتوقَّف ذاك النوع الصعب من المسلسلات (سيت كوم)، حيث نخبوية النص، وتميُّز إيقاعه بالإيجاز والتكثيف البصري الهادف.

اتَّجهت معظم شركات الإنتاج في خطوتها ضمن تلك الصناعة نحو العمل الكوميدي الصرف المنزوع من أي لغة جادة، فاعتمد كتَّاب هذه الأنماط من المسلسلات على التهكُّم والسخرية من الوقائع الاجتماعية بأسلوب ناقد يذهب نحو تعرية الحقائق، وكشف نوايا الإنسان الباطنة من خلال ردّات الفعل البسيطة التي يلحقها تحليل بصري ناتج عن تصرفات لا مبالية يعيشها الإنسان يومياً، فجاء مسلسل «عيلة خمس نجوم» تأليف: «حكم البابا وإخراج: هشام شربتجي» عام 1993، وعُرض أول مرة على التلفزيون العربي السوري، كشاهد عيان على أهمية رواج مثل تلك الأعمال ذات التأثير اللحظي عند المشاهد، حيث لاقى العمل جماهيرية كبرى وصلت إلى درجة متابعة الحلقة عدة مرات في اليوم دون الشعور بأي ملل! الأمر الذي جعل للدراما السورية توجُّهاً جديداً في إنتاج أعمال يحكمها هذا الخط البياني من الكوميديا المعاصرة.

أعمال «السيت كوم» شكّلت اليوم نافذة خاصة لها، وحجزت مكاناً مميزاً لا يمكن منافسته على خريطة الدراما السورية، لأن تعدد الأعمال الاجتماعية المعاصرة، وتنوع كتابها، وتوفر بعض الأعمال الكوميدية المحتكرة لصالح فئة معينة من المنتجين والممثلين أغنى حاجة المشاهد للتسلية والتواصل مع قصص أخرى لأناس من أبناء جنسه، ويطلَّع على تجاربهم في الحياة، لكن أن توجد طريقة لمتابعة الحياة بعين كوميدية مميزة؟ هذا ما كان يبحث عنه المشاهد خلال العقدين الماضيين من الزمن.

اليوم إذا نقف أمام إنتاجات عملاقة في الدراما السورية لا نشك في رواجها، بل نبحث عن أعمال «سيت كوم» مميزة فلا نجد منها إلا المستهلك المطبوع بنمطية البهرجة والافتعال المكشوف، ترى لماذا؟ هل اكتملت دائرة السيت كوم السورية التي ما زالت تأخذ ملامحها الجديدة عبر النص المتماسك والنكتة الذكية والطرح المختلف؟ أم أن المشاهد لم يعد يعنيه أصلاً تعاطي جرعات ضحك بطيء؟ إنما صارت غايته التواصل مع الأكشن الدرامي، ورؤية صورة الفضيحة على الشاشة بأقل تكليف عصبي ومادي؟ أين هو الخلل بالتحديد؟

يمكننا تصور أسباب غياب الضحك بكل بساطة، لأن المشاهد أمام كتلة تكنولوجيا كبرى شكَّلت سلاحاً ذا حدين: من ناحية أولى اختصرت له معطيات العالم البصرية بشكل كبير، ومن ناحية ثانية جعلته مشاهداً ومتابعاً كسولاً لتلك المتعة المسماة (سيت كوم) محلي! لِمْ لا؟

الإنسان بطبيعته يبحث عن تكرار الأفعال التي تجعله مسروراً حتى الانتشاء، والمطالب بإنتاج تلفزيوني كوميدي، حتى في شارته وأسماء أبطاله هو حق لتوازن كفَّتيّْ الإنتاج الدرامي في الساحة الفنية السورية، إلا أن الرغبة في تقصِّي أسرار الروح الإنسانية وتحليل الأفعال لمعرفة مسايرتها صارت همّ المشاهد، علماً بأنه يمكن التواصل مع تلك الخفايا عبر راويات «كونديرا وكويلو ودستويفسكي».. لكن المشاهد كما قلنا كسول، والبحث عن الضحك التام لا يهمه، لأنه لا يقرأ أصلاً إلا رسائل الموبايل وصفحة الحوادث هنا وهناك!

أنتجنا محلياً أعمال مهمة تتمتع بتقنية «السيت كوم» معاصرة أتذكر منها (مذكرات عائلية – عائلتي وأنا – إذاعة فيتامين..)، وأعمال مختلفة كان روَّادها من عملاقة الأدب السوري في القصة القصيرة أمثال: «زكريا تامر ومحمد الماغوط».. هذه القامات أغنت الدراما السورية في بدايتها، وعزَّزت حمايتها لتكون ذات هوية خاصة بدعامة ذكاء «السيت كوم» السوري والنخبوي.

مرايا الطائر الحرّ لفايز خضور عندما تصبح جراح الشاعر قصيدة أنيقة

مرايا الطائر الحرّ لفايز خضور عندما تصبح جراح الشاعر قصيدة أنيقة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 82 …
كتب

مرايا الطائر الحر

مرايا الطائر الحر


تتمتع اللغة الشعرية لدى الشاعر «فايز خضور» باشتقاقات لغوية خاصة وجديدة، ويتلمس القارئ منذ السطور الأولى في كل أعماله حساسية لغوية تعتني بظهور الصور بأسلوب نحتي مركَّز يسحب إيقاعه الموسيقي على طول القصائد وعرضها، وفي تجربته الجديدة (مرايا الطائر الحرّ- منشورات مجلة «فكر» 2010) نشاهد ضجيج الضوء من عدسة الصور الحارَّة، خلال معاينة جمالية في نص شعري واحد مقسم إلى مقاطع، يعبر فيه «خضور» عن أحواله وتجاربه الإنسانية والسياسية والحياتية، بلغة متفردة و موسيقا مرسومة على الكلمات كالنحت الفني، ومتدفقة بلا انفلات، ساحباً على طول سبعين صفحة من القطع المتوسط إيقاعاً حياً وصوراً ذكية «مادية» ملموسة، ملتصقة بمكاشفات هذا الشاعر المدهشة.
في مجموعة الطائر الحر، يدخلنا «خضور» إلى مفهوم الحرية من خلال مثال بسيط طرحه عند سؤالنا له عن انطباعه الشخصي حول ما قدَّمه في (مرايا الطائر الحرّ)، يقول: «عندما يتعامل الإنسان الحر مع أدوات التعبير التجريدية، عليه أن يوصل بلغة مبسطة الفكرة إلى المتلقي أو القارئ، وهو عملياً يوصل الفكرة إلى ذاته، لأن الفكرة نابعة منه ومطبوخة في عقله الباطن وفي رؤيته وفي تجربته وفي معاناته، عليه أن يصوغها صياغة فنية، هنا يأتي دور الصورة بقدر ما تهضم العمل الفني وترفع من قيمته ومستواه بقدر ما هي رداء يواري فيه الحر فكرته، ولكن لا يضيع أو يخفي شيئاً من الفكرة.. وهكذا الشاعر يواري فكرته ضمن هذه الصورة، وهذا الأسلوب يعتمد على الطمأنينة والراحة في التعبير).
وظَّف الشاعر «خضور» جراحه وخيباته وذاكرته ليُشكِّل سياقاً موحداً من الصور الشعرية القاسية لغوياً وفنياً، مبتعداً عن دعوات العطف وشراكة الأمل، وواقفاً وحيداً في مهب الشعر، يمطر تعبه وكحوله في صوت حادٍّ وحنون: (يسقط الصيدُ من حضنه مثخناً، / كلما اعتجلت في الحشا شهوة للغناء..!!)ص7، (مثل طفلٍ يكسر ألعابهُ، / حين يضجر منها. / ويبكي لها حين يشتاقها)ص13، وبالرغم من صلابته في جلد الريح وهي تعيق خطاها، إلا أن أحبّته يتوارون أمام مداها ويرحلون تحت وطأة غضبها، ليعيد الشاعر ندمه إلى جانب الكلمات مواسياً نفسه: (هكذا علّمتهُ الملمّاتُ، / أن يجلد الريح، إن هي عاقت خطاهُ، / فكلّ الذي يرتمي في مداهُ/ حميمٌ، عزيزُ..!!)ص16، هو طائر البرق ترفّع عن رفاه السماء، وتجاوز رفوف النجوم، عاشق أطاح برتابة الوقت: (لم يكن بينهم طامحاً بالرفاه المزور، / ما عاش يهفو إليه، / ولا كان في سنحةِ الوقت يسطو..!!)ص19، ينشغل الشاعر «خضور» في صور الحب، فيلتقط للكائنات فرحاً ويطوي بين جناحيه هموم العالم، همّه الشعر وإلغاء القبح، لم يغره الجاه والضوء، لم تستمِله الصروح: (همّه الشعر والحب والخمر:/ ثالوث دنياه. / نصر الهزائم. / يزهو جمالاً بديعاً. / لينأى عن الكائنات الظلامُ القبيحُ)ص18.
عالياً يرفع نداء التوق من الألم، وأعشاب الجنون ترقص تحت أقدامه، طائر يبعثر موسيقاه وأجنحته مقصوفة الحياة يحلم بالصبا المؤبد: (يعلو نداء التوق، / أسوار التوازن والرزانة، /.. /مندّياً عشب الجنونِ) (البلبل الغريد مبحوح اللهاة، / مقصّفُ الجنحين. / لا يقوى على رفٍّ، ولا بوحٍ. / مداه يغيم في قفص، / يضيقُ عليه مجروح الأنينِ..!)ص 31-32.
هكذا يموسق الشاعر «فايز خضور» قوافي قصيدته الحرّة على اتساع حروف الأبجدية، ويُلوِّن مقاطعه بضربات إزميل لغوي باهر، حيث تسير منحوتاته الشعرية على الورق وتتناثر من أصدائها إيقاعات ووصلات بصرية قصيرة، متوالية، تُكسِب المتلقي أسئلة كبرى عن الحنين والذكريات وتقلبات الزمن.. عن الحزن والدهشة.. عن الشكوى والأسى عن الظلم والغربة.. الطائر الحرّ يعكس في مراياه بقايا الأحلام، ويفتح للبشر أبواباً روحيةً تسعى لإيصالهم لبر نسيان الخطايا: (غنى، وداخَ، بكى، وراح، / يهزّ بالأرجوحة السكرى ثمار الحلم. / لم تلمسه أنفاسُ الرضا. / فمضى بمركبة الحكاية، والتصور والحنين)ص30.
تتمتع قصائد الطائر الحرّ بأناقة جمالية باهرة، مبنية على زخم حياتي وفكري شديد ومميز، حيث يعود الشاعر بنا إلى فنون الكتابة بالصور عبر لغة الأساطير القديمة والمفارقة الفنية المعاصرة، ويحمل في خصائص الشكل خفَّة لغوية متناسقة مع تناص شعري موحَّد، لا تُخرِج القارئ من طقوس طيران شعري مختلف ضمن قصيدة إيقاع التفعيلة الحرة التي يتقنها الشاعر «فايز خضور» بذكاء.
الطائر الحرّ أو «فايز خضور» لا يبتعد هنا كثيراً عن مجموعاته السابقة، فهو برغم ذاك الزخم الشعري الطويل، يؤكد ما بدأه منذ خمسين عاماً من الشعر، ويسير بمكاشفات فنية شعرية جديدة تشبه زمنه ورؤيته، وتحمل بصمة فلسفية خاصة تُقدِّم قصيدته كرؤي حياتية في الشعر السوري المعاصر.

التشكيلية جزلة الحسيني المرأة تنطق عن الذاكرة

التشكيلية جزلة الحسيني المرأة تنطق عن الذاكرة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 74 …
تشكيل


بات بالإمكان الدخول إلى تقنية جديدة في تجسيد اللوحة المعاصرة، من ناحية تركيب المواد وتنوُّعها خلال تكوين موحَّد، الغاية منه إعطاء قوة حركية لتخرج اللوحة عن الاشتغال النمطي بالتلوين والشخوص فقط، وهذا ما سعت الفنانة «جزلة الحسيني» أن تقدِّمه ضمن معرضها الحالي المقام في صالة «تجليات» دمشق، حيث تذهب بأعمالها الجديدة إلى تقنية بصرية مميزة تستخدم فيها الجلد بامتداد جزئي ضمن اللوحة، لتكوين شخوص نافرة فوق خلفية لونية لظلال نساء وغزلان تبحث عن حنين ما، إلى جبال ووديان تركت بقعة مسرّات في حياة جزلة.
يظهر التصوير النحتي في قطع الجلد المتناثر على مساحات اللوحات كما لو أنه عصيان بصري للطبيعة التشكيلية المألوفة، فتأخذ الحركة نتوءها المنظَّم وفق تكوين الأجساد التي تعبّر عن قوة فنية في تغطية أكبر مساحة من النوافذ الحسية الباطنة، ويلعب التوازن بين الكتلة واللون دوراً رئيسياً في تصوير التمثال النصفي الذي تلاشى الجزء الخلفي منه ليتحوَّل إلى إشعاع لوني هائل من المنحنيات الباحثة عن هواجس الحنين التي تسامر الهمسات مع الذاكرة.
أمّا عنوان المعرض «الطيف الأزرق» فهو من وحي كتاب الأديب «حسيب البرغوثي»، والذي يرصد خلاله معايشة الأحداث اليومية في فلسطين عبر توصيف صادق لأبرز معالمها العمرانية وأحوال سكانها هناك، وهذا ما جعل الفنانة تقع في تيار تحريضي لاسترجاع موطنها البعيد المغتصب، ولو عبر الألوان والقماش، وهكذا تفاجئنا الأبواب الخفية التي تظهر في معظم أعمالها على شكل أمنيات للعبور والعودة إلى الذكريات.
تنوَّعت خامات الأعمال في المعرض من قماش و(خيش) ورمال ونتوءات جلدية قافزة.. لتتكون أمامنا فصول مختلفة لمراحل محاكاة الذاكرة، فأحياناً نجد تسعة مربعات من الجلد، وقد احتلَّت مساحات اللوحة بانتظام حاملة في انتفاخاتها الداخلية بنية ممتلئة بالانحناءات، وقد تحوَّلت إلى حروف هيروغليفية من أبجدية الحضارة.
ثمّة مكاشفة تقودها قوة المادة بين التكوين الجليدي للشخوص وبين التصوير اللوني للشخوص المقابلة المشكِّلة في تكاثرها كبرياءً عالياً للمرأة كما في الأساطير الفينيقية، كما نجد في الكتل الجلدية صورة لجسد امرأة مملوء بالالتواء كتعبير عن القلق، ويقابله عدَّة ظلال من شخوص وقد توحَّدت أجسادهم بتناسب لوني متدرِّج، وعليه فإن الإغواء الذي تصدره الكتل الجلدية يفوق طبيعة اللون، لأننا نلمس صوراً من لحم ودم لهواجس مدن هاجر سكنها ظلماً، وبقيت أرواحهم تنتظر على الأسوار.
يمكننا إطلاق تسمية مختلفة لهذا المعرض، مثلاً: «ليونة الأنوثة وغربة الذاكرة»، وذلك لما فيه من غياب تام للزوايا الحادة، فما تفعله «جزلة» من سبك فني لأعمالها تغلفه أيضاً بلمستها الأنثوية اللينة، راسمة بطاقة السفر في الحنين الطويل، لتلتمس الطيف الأزرق الغائب وراء كلمات ألوانها وسكون حزنها.

تلفزة الثقافة على القنوات السورية

تلفزة الثقافة على القنوات السورية

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 73 …
مرئي – مسموع

تستوفي المحطات العربية برامجها الثقافية على منوال تقديم القيمة المعرفية وإيصال الفائدة إلى أوسع شريحة ممكنة من المشاهدين، لكن كيف يتحقق ذلك بشروط ترويجية مميزة؟
لقد أصبح التواصل مع التلفزيون طقساً محبباً لدى الذائقة، الأمر الذي يبرهن على أهمية التقاطع مع عصر الصورة والدخول إلى أروقته ضمن منظومة فكرية تستثني الجانب الترفيهي، وعليه فإن ضرورة الحديث عن البرامج الثقافية على المحطات السورية يُعَدُّ همّاً شائكاً يحتاج لإعادة برمجة كمنتج ثقافي بصري يحتل مساحة كبيرة من وقت الإرسال التلفزيوني، ووقت المشاهد الباحث عن التشويق والتميُّز للوصول إلى متعة بصرية تحمل المعرفة والتسلية في آن.
برامج ثقافية نمطية
و في مكاشفة سريعة لأبرز برامج القناة الفضائية السورية، على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا أن نبدأ ببرنامج (شعراء) الذي لا يُتلمَّس في مزاج معدِّه إلا فسحة ضيقة من الشعراء، ويتناول تجاربهم في كتابة شعرية تكاد أن تنقرض من زمنها الذي أكل وشرب عليه تيار الشعر الجديد، والسؤال هنا: إذا أردنا أن نقدم للمشاهد تجارب شعرية، فنحن بحاجة لعزل ذائقة معدي البرنامج عن الذوق العام، وإدخال مقترح التنوع بين أعمار الشعراء واختلاف تجاربهم، لأن الشعر بكل الأحوال يقع، هذه الأيام، في مطب الغنائية البائدة والتقليد الجامد.
أمّا برنامج (دنيا الموسيقا) الذي كان سابقاً عنوانه (لغة العالم)، فيختلف فقط في التسمية، إنما نهج التواصل مع عالم اللحن عبر الشاشة الصغيرة انحصر بالحديث الجاف عن سيمفونيات عالمية أو محلية أو عربية وبثِّ جزءٍ منها، مع الاكتفاء بحديث على هامش البرنامج عن نشأة المؤلف وتاريخ ولادة نوطته التي ستقدم ضمن البرنامج، هنا يتحول البرنامج إلى خط تقليدي يفتقد لفن الإخراج، واختيار المعزوفات النادرة وتلفزتها بأسلوب حيوي يلفت انتباه المشاهد.
على عكس برنامج (هوامش ثقافية) الذي يعرض أيضاً على الفضائية السورية، حيث تلمس هوية مختلفة لنمطية البرامج الثقافية التي تقوم على الحوار بين شخصيات أدبية إشكالية تلقي الضوء على هموم راهنة في الساحة الثقافية، ويتمتع البرنامج بمقاربات ذكية ترصد ظواهر مؤثرة في المشهد الثقافي الأدبي تحديداً، وهذا ما يمكننا اعتباره سبقاً تلفزيونياً ثقافياً بحاجة إلى غربلة قليلة ليأخذ طابعه الزمني الدائم، وهنا يمكننا أن نشير إلى أهمية الأسلوب الترويجي للتواصل مع هكذا برنامج مهم يتلمّس محاوره من الشارع الثقافي السوري والعربي مباشرة.
كما يمكننا أن نشير على صعيد توقيت بث بعض الريبورتاجات الثقافية التي تهتم بمتابعة الأنشطة الثقافية وإضافتها إلى مفكرة القناة الفضائية السورية (الركن الثقافي) الذي ينجح أحياناً في تغطية أكبر مساحة ممكنة على مدى أسبوع من الفعاليات الثقافية الميدانية، بالإضافة إلى إجراء بعض اللقاءات مع القائمين على الفعاليات المتناولة، ولكن الاحتراف في رصد تلك الحالات هو ما ينقص هذه الفسحة القصيرة التي تدخل ضمن تصنيفات الأخبار الثقافية.
إن وضع التوقيت الأسبوعي الذي يرافق البرامج التي تحدثنا عنها أعلاها، يجعل من حرارة التواصل مع تلك البرامج لدى المشاهد في أدنى مستوياتها، والسؤال هنا: أين المشكلة تحديداً، في التوقيت؟ أم في النمطية التي سبرت تلك البرامج؟ أم يا ترى في كسل المشاهد في المتابعة؟
السينما تستجدي مشاهد التلفزيون
منذ نحو عقد كامل من الزمن كنا ننتظر كصائمين موعد عرض برنامج (إذا غنى القمر) الذي ترك بصمته الخاصة في التلفزيون السوري، حيث نترقب أخبار نجوم هوليوود وآخر أفلامهم، مع نظرة تحليلية لأهم الأفلام العالمية والعربية دون الشعور بالملل إطلاقاً، سواء على صعيد المادة البصرية التي يختارها المعد، أو على صعيد توقيت الفواصل الموسيقية التي تعلن عن بدء البرنامج أو عن نهايته، أمّا الآن مع برنامج (الفن السابع) فقد يختلف الأمر قليلاً، حيث يعرض على القناة الأولى التي لا تتابع بقوة كما الفضائية، مما يجعل البرنامج مقيد، بذائقة قليلة، وعلماً أن الحديث عن السينما خلال هذا البرنامج يتفق إلى حد معين مع ترغيب المشاهد بمتابعة السينما، إلا أنه يغرق أحياناً بعبارات جاهزة تحتاج إلى تبسيط معرفي كي تصبح على تماسٍ منطقي مع ما يختار من مشاهد الأفلام! لأن إدارة الحديث عن السينما تحتاج لليونة بصرية مميزة، ولأسلوب معاصر، وتنوع في وجوه المقدمين، علماً أن برنامج (إذا غنى القمر) جعل له جمهوراً كبيراً دخل الصالات السينمائية ليعيش تلك الحالة الرائعة التي كان يُصدِّرها لنا مقدم البرنامج آنذاك.
مع ذلك فإن القناة الأولى السورية التي تبثُّ على مداها الأرضي تتمتع بزخم برامجي فيما يخص الثقافة، ولكن السينما لا تنال من هذا النصيب سوى القليل وحصرية الإعداد والتقديم جمَّدت هذا الفن على الشاشة الصغيرة تماماً.
المعرفة ثقافة محصنة
منذ عشرين عاماً إلى الآن وبرنامج (آفاق علمية) الذي تتفرد به القناة الأولى قد حجز مكانه الخاص لدى محبي الاكتشاف العلمي، حيث شكل في ذائقتهم المعرفة ركناً خاصاً للعلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة والجغرافيا، وبات حضوره على الشاشة الفضائية ضرورة يجب الإلتفات لها، أمّا بالنسبة لأسلوب عرض المعلومة وتبسيطها، فقد تمتع مقدم البرنامج ومعده ببصمة مميزة جعلت من البرنامج أيقونة حميمة للمخيلة والذاكرة.
كما يقف إلى جانب ذاك البرنامج فسحة مهمة تسمّى برنامج (المعلوماتية) الذي يقوم برصد أحوال التكنولوجية وآخر اكتشافات العصر، ضمن فترة تقرب الساعة نتجول خلالها في أروقة عالم السرعة والرقاقات الإلكترونية، ونقل أهم أخبار كبرى شركات التصنيع التقني في مجال الكومبيوتر محلياً وعالمياً.
يمكننا أن نضيف برنامج (المجلة الثقافية) التي تتمتع بنشاط حِرفي في التقديم والإعداد، وتقوم بمواكبة ميدانية للأحداث الثقافية على الساحة المحلية على مدى ساعة من الزمن توصل للمشاهد المحلي آخر النشاطات الثقافية من السينما والمسرح والفن التشكيلي والمهرجانات.
مساحة ضيقة وزخم برامجي
رغم قصر وقت بثها تتمتع القناة الثانية بزخم برامجي على مدى الأسبوع، حيث تقدم برنامج (ثقافة وفنون) ثلاث مرات في الأسبوع تواكب من خلاله أنشطة الحراك الثقافي بطريقة مختلفة وبأسلوب فلاشي يعتمد التكثيف والإيجاز، بالإضافة إلى برنامج (منتدى الشهر) الذي يفتح ملفات ساخنة في الإعلام والمجتمع والإبداع، وإنما لا يكمن إغفال أن القناة الثانية تُخصِّص نصف وقتها للرياضة وهذا ما يجعلها أكثر حيوية ونشاط واقتراب من المشاهد المحلي، لكنها تحتاج إلى إعادة تنشيط لدورة برامجية أوسع لتحصل على تنوع بصري على صعيد المتابعة المحلية ضمن خطوة للبث الفضائي وهذا ما نأمله بأسرع وقت.
سورية دراما والتخصص البصري
يُعَدُّ إطلاق قناة سورية دراما الفضائية انعطافة أولى في الثقافة البصرية المحلية، حيث بدأت القناة خطوتها الأولى بالتوثيق لمؤسسي الدراما السورية التي تعد بنداً أساسياً في ثقافة الشارع السوري، وفي خطوة أخرى حاولت القناة كشف بعض إنجازات الدراما السورية طيلة العقود الماضية خلال فترة بثها التجريبي، وحين أطلقت رسمياً في الموسم الرمضاني الفائت سعتْ القناة إلى تسجيل نسبة متابعة واسعة، كمحطة فضائية متخصصة بالدراما والفنون البصرية عموماً من المسرح والسينما.
كما تحتوي خريطة قناة سورية دراما التي ستطلق قريباً برامج فنية تخصصية ترصد هموم الدراما السورية، وتحاور المبدعين على الشاشة الصغيرة، وتستضيف أبرز صنَّاع السينما السوريين والعرب.. وبذلك تحاول أن تشمل في جماهيريتها رصد الفن السوري من حيث الدخول إلى جوهر الأعمال خلال الفترة المقبلة.
أمّا على صعيد المواكبة الميدانية تحاول قناة سورية دراما الإلمام قدر المستطاع بأبرز الأحداث الفنية التي تقوم في سورية على مستوى عربي ومحلي من خلال برنامجها اليومي (أخبار الفن)، الذي يقوم بعرض ريبورتاجات تحليلية سريعة لأهم المسلسلات التي ستعرض في الموسم القادم، مما يجعل لدى المشاهد العربي تشويقاً خاصاً بوصف الدراما السورية كعلامة فارقة في الثقافة البصرية.
أخيراً
كنا نسعى من خلال هذه الوقفة السريعة إلى إلقاء الضوء على أبرز ملامح الحراك الثقافي على القنوات السورية، وما قلناه من دافع الحب والرأي لا أكثر، ونشدد على أهمية إيجاد صيغة مختلفة لتناول الهموم الثقافية بعيداً عن مهمة الموظف في التلفزيون، فمناقشة الإشكالات والظواهر الثقافية بصرياً يحتاج إلى امتياز حرفي ومهني معاصر في الإعلام المرئي، لأن مقدم البرنامج الاقتصادي يصبح هو نفسه مقدماً لبرنامج شعراء!!
لسنا مطالبين بالمزج بين وظيفة الموظف ضمن مبنى التلفزيون وما يبحث عنه المشاهد في الأفكار الجديدة التي يُصدِّرها لها البرنامج الثقافي بغضِّ النظر عن طبيعة مواضيعه، الإشكال أولاً في الترويج للبرامج، ثم بنمطية إدارة عجلة الإعداد التي نتمنى من زملائنا في البرامج الثقافية إعادة تهيئة منظومتها، لأننا بحاجة إلى دمٍ جديد يُحرِّك هذا الجفاف التلفزيوني الخجول ضمن أكثر من ثلاثين برنامجاً ثقافياً على خارطة الإعلام المرئي السوري.

الفيلم المصري المسافر.. حكايات الماضي الصعبة بخلطة الفكاهة

الفيلم المصري المسافر.. حكايات الماضي الصعبة بخلطة الفكاهة

جريدة شرفات لاشام
عمر الشيخ
العدد 65 …
مرئي – مسموع

المسافر

المسافر


يرصد العامل في مصلحة البريد «حسن» تاريخاً شاملاً يحتوي نقلات نوعية في حياة العالم العربي وتحديداً في مصر، خلال تقاطعه مع أحداث غيَّرت مسار الحياة آنذاك، حيث يقوم الممثل النجم «عمر الشريف» بسرد حكايته بلسان الراوي دون الظهور حتى النصف الثاني من الفيلم، ليُقدِّم لنا ثلاثة أيام تُمثِّل مراحل تاريخية، وهي اليوم الأول في مدينة بورسعيد عام 1948، أي بعد انتهاء حرب فلسطين، أو بعد وقوع «النكبة» الكبرى، والثاني في الإسكندرية 1973، أي أثناء حرب بين العرب وإسرائيل، والثالث في القاهرة في خريف 2001، أي بعد أحداث سبتمبر الشهيرة التي وقعت في نيويورك وواشنطن. سترافقنا شخصية رئيسة هي شخصية «حسن» التي يُجسِّدها «خالد النبوي» في مرحلة الشباب، ثم «عمر الشريف» في مرحلة الشيخوخة، و«حسن» رجل مصري كما أردفنا يعمل في مصلحة البريد في اليوم الأول من عمله في بورسعيد يجد نفسه منساقا للبحث عن امرأة تدعى «نورا» لكي يسلمها تلغرافاً من خطيبها الذي تنتظره لكي يتزوجها في تلك الليلة تحديداً، لكن «حسن» يقرر إلا يسلمها ذاك (التلغراف) بل يجد نفسه منجذباً إليها، وتنجذب هي أيضاً إليه على نحو ما.
يحاول الفيلم من خلال السيناريو تأسيس شهادة سينمائية على العصر، لكنه لا يدخل بالمتغيرات السياسية التي تؤثر على المنحى النفسي عند الناس بشكلٍ دقيقٍ، بقدر ما يطرح سطحيات قصص «حسن» أيام طيشه وما وصل إليه من نتائج اجتماعية عامة عندما كبر، وكأننا هنا أمام فوتوكوبي عن فيلم (تيتانيك1997) لأن ما يُمثِّله الجزء الأول من المرحلة التاريخية تلك، أي 1948 هي لقاء صدفة بين «حسن» والفتاة الأرمينية «نورا» التي تُجسِّد دورها «سيرين عبد النور»، ليرقصا معاً بوصفه خطيبها صاحب التلغراف من ثمَّ يخلدا إلى غرفة النوم، تدور الأحداث ليصيب السفينة حريق هائل ينجو منه القليل من ركاب السفينة كما في تيتانيك تماماً، ثمَّ تأتي المرحلة الثانية 1973 يلتقي «حسن» وهو لا يزال هنا يمثل دوره «خالد النبوي»، لكنه أشيب قليلاً ومعالم الكبر تبدو بارزة عليه ليقول للفتاة التي تسأل عنه أنه يعرفها وكأنها تشبه «نورا» صورة من الماضي، عندها تقول له الفتاة أن أمها أنجبتهما هي وأخيها الذي قضى منذ فترة، وتوفيت لكنها لا تعرف أحداً هنا من ركاب تلك السفينة إلا هو وقد تعبت في البحث عنه، تروي له القصة وهكذا.. كفيلم هندي يدفع الأب الثمن برعاية ابنته مستذكراً صور الماضي أيام شبابه مع أمها وقد أنجب منها دون زواج رسمي…
صيغة الفيلم في العموم تبدو مألوفة وكلاسيكية، وتطوُّراته لا تلمس جوهراً مختلفاً للحكاية المقترحة بقدر ما توغل في الحركات والانفعالات الفكاهية التي يبديها النجم الكبير «عمر الشريف» وهو يؤدي دور «حسن» في الشيخوخة ليصادف مرة أخر ويلتقي بحفيده، ابنته، أنها الصدفة كل ما يحكم خط عمل الفيلم ونمو أحداثه الدرامية، لكن رصد المرحلة التاريخية يبدو غائماً، والعبور إلى فكرة جديدة اتَّضح عقمه بقوة عندما أصبحت الإطالة في قص الحكاية متعدِّية مجال الفنية الحكائية، رغم أننا وصلنا إلى المرحلة التاريخية 2001 تلك، لكن خط عمل الفيلم الفني بقي محافظاً على ركوده.
لا يمكننا أن نخفي مدى الحسّ الفكاهي الذي أمتعنا أثناء مشاهد الفيلم، لكننا لم نحصل على جملة سينمائية عربية مختلفة ثقافياً من حيث السيناريو وتفكيك الشخصيات وتخطي مرحلة الفيلم التلفزيوني أو ما يشبه الفيلم البسيط، لأن القدرة الصورية التي عزَّزتها إدارة الكاميرا حملت نجاح الفيلم بصرياً، لكنها لم تخدمه سينمائياً، أي لم تمنحه هوية الخصوصية السينمائية فيما يمكننا حضوره على (DVD) بلا أي اختلاف يذكر، لا نعرف! أهو تزكية لوزارة الثقافة المصرية على دعمها لإنتاج الفيلم بوصفهم قدموا بطاقات شكر وتهليل للإنتاج العام في مصر قبل عرض الفيلم بدقائق؟
دخلت عبارات الحوار المكتوب والمرئي في الفيلم منطقة الابتذال والارتجال السينمائي ليقع على عاتق النجم الكبير «عمر الشريف» رفع رصيد نجاح الفيلم وجماهيريته على حساب أخطائه المتعددة، وعليه يمكننا القول إنَّ الشعبية والجماهيرية لا تصنع ثقافة سينمائية ما لم تدعم رؤيتها بمخزون فكري يراهن عليه، الجماهير في سينما الشام بدمشق لم تعبأ كثيراً بالنجوم التي حضرت من مخرج الفيلم وكاتبه المصري «أحمد ماهر»، وحتى النجمة «سيرين عبد النور» والممثل الشاب «شريف رمزي» الذي يلعب دور الحفيد في حكاية أخرى من الفيلم، لا تلمس القصة الأساسية لمتاعب المسافر إلا باسترجاع نزعة الشباب وحيوية النشاط العملي في الحياة، كان همُّ الجماهير مشاهدة فيلم مميَّز بفكرته.. هكذا نستنتج أن تفسُّخات القصص المحشوة ضمن الفيلم لم تُقدِّم إلا الموجود والرائج في السينما المصرية، نحن لا نطالب بفتح سينمائي عربي لكننا نطالب بالخروج من دائرة المكرور والمنحول في الرصد السينمائي للرؤية الحياتية المتحضرة في تلك البلاد.
فيلم (المسافر) المشارك بمهرجان دمشق السينمائي لم يكن رهاناً ملائماً على التميُّز المرجو، فهو مثله مثل أي عرض عابر للتسلية ينقصه الدعم الفني في النص وبناء الفكرة لأن الجمهور ليسوا جماعة معتوهين بحاجة لبعض اللقطات الساخنة وحسب..!

غراب الأوبرا يحطُّ على مسرح الحمراء

غراب الأوبرا يحطُّ على مسرح الحمراء

جريدة شرفات الشام
العدد 46
عمر الشيخ
مسرح

غراب الأوبرا

غراب الأوبرا


لم يمضِ عام الثقافة الدمشقية حتى شرّعت احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 أبوابها بعرضًٍ مسرحيّ على خشبة الحمراء حمل عنوان (غراب الأوبرا)، وذلك بحضور متعدد الفئات العُمْريّة بين أطفال مع أهلهم وشباب وبعض الصحفيين من ذقاقة المسرح والمتابعة بشغف لكل جديد.
لقد تَبنَّت مجموعة من الشباب الموهوبين، صيغة ناضجة لبناء هذه المسرحية ، فيها من البهرجة الشيء المقبول، ولها من خفّة الظل ما يقدمها عملاً يليق بشريحة ناضجة قليلاً من الأطفال لما تحمله من معطيات إنسانية تعتمد الصورة الدرامية الخيالية لحوارات بين الطيور التي تبحث عن الموسيقا بطريقتها، حيث يبدأ العرض باكتشاف مجموعة من الغربان أحد أفرادها مولع بالموسيقا، تأتي زعيمة المجموعة مستهجنة ً رغبة الغراب المعروف كنذير شؤم كيف له أن يصبح محباً متعاوناً يحلم بالموسيقا والغناء الأوبرالي، فتطرده إلى قرية العصافير التي تمتهن التغريد والمرح،فعند ترك الغراب لقريته وتوجُّهُهِ نحو أحلامه في قرية العصافير يعرض لنا المشهد الثاني الطقوس التي تعيشها مجموعة العصافير بمكاشفة أقرب إلى الحالة الإنسانية التي تقوم بتشخيصها الطبيعة البشرية بالإيماءات والسيناريو الحركي،حيث أن هذا التزاوج بين بيئة العصافير و تصرفاتها على أنها ناس عاديين هكذا يتم إسقاط حالتهم على الواقع، ربما هي حالة تفسيرية كي تقترب من الارتجال المسرحي لكسب ثقة الطفل ومن معه، ولكن دخول الغراب الموسيقي يُغيِّر حالة العصافير ويُعرِّي حالتهم النفسية من المغرور إلى المسالم والذكي والمحب كطبائع تُسهّل أطروحة غرام الغراب باختراقه لعالم يختلف عن العالم الذي نسبته الدنيا إليه، يتعلَّم الغراب الغناء ويصبح موسيقاراً موهوباً ينقل إلى وطنه قرية الغربان هواجس الحبّ والألحان لتنقية ذهنهم من النعيق والمكر وأذى الآخرين .
إذاً نص (شادي دويعر) مؤلف المسرحيّة يبدو مقبولاً كعمل للأطفال،بقدرات إخراجية لا بأس بها، غير أنه كان بالإمكان الاشتغال للوصول إلى حالة بصرية على الأقل أكثر حداثة من تقاليد مسرح العرائس العتيقة و لا نستطيع أن نقول إنه مجرد عمل عابر للأطفال ليس إلاّ،لأن هذه الشريحة هي من يؤسس لذاكرة مسرحية تليق بناشِئين جدد لهم مستقبل في الرؤيا، ربّما لا نعرف!
لكن (غراب الأوبرا) بتوقيع المخرج(مازن العباس) مسرحيّة محط تناول نقدي، تستحق المحاكاة والتفكيك في خطوة ما تفيد مشروع الشباب المسرحيّ فيما يخص مسرح الطفل بوجه خاص.
الإضاءة كان لها جانب مهم ومؤثّر على تفكير الطفل في تناوب النهار والليل،ما يجعله يشعر إلى حدٍّ أن ما يُشاهدهُ هو فعلاً حالة خياليّة يمكن أن تقترب من أحلامه،ولكنّ الدّيكور الفقير أفقد المسرحيّة الكثير من المعاني المرجوة، لأنّه لا يمثل مشهداً متكاملاً لو قليلاً عن الغابة مثلاً أو منصة تناسب أوبرا من أشجار وطيور وشمس وغيوم هي مسخ مدرسي بحت،لأن الطفل ليس لديه القدرة الكبيرة في كشف مفردات المسرح المعقّدة وخطابته الملغومة نظراً لضعف إمكانيات الموهبة وإغفال حالة الإقناع البصري،رغم بساطة التناول المطروح ورؤية الشباب لمفرداتهم التي اختاروها نصاً وتمثيلاً ليوصلوا رسالتهم إلى الأطفال،رغم أن المصاريف مفتوحة وهي برسم مسرح الطفل ومديرية المسارح،ويجب أن تكون مرهونة بطريقة أكثر تناسباً لتقديم مسرحيّة في العقد الأول من الألفية الجديدة بأسلوب أكثر عصريّة وجديّة من أجل نجاح مشروع الشباب بالنهوض الذي نتمناه جميعا.ً
(غراب الأوبرا ) هذا العنوان الجميل لمسرحيّة لم تلتزم بمدى عمق وخطورة مثل هذه الفكرة،قدّمت إمكانيتها البسيطة للغاية في مقاربة رغبة الموسيقا من عالم بعيد كثيراً عن الموسيقا ولكنها استطاعت بطريقة أو بأخرى منحنا جرعة من الفكاهة والنكتة تعتمد أكثر ما يمكن على الارتجال المسرحي والخروج عن النص كونه نص بسيط يلعب على فكرة الكرتون المتحرك كمثال قريب، غير أن الأزياء المستخدمة اتسمت بالابتعاد كثيراً عن تجسيد صورة قريبة للغراب أو للعصفور .
كشف الكواليس أثناء الانتقال من مشهد لآخر أصبح كما لو أنّه حالة تمثيليّة صرف، لم تنعش رؤيتنا في احتضان المسرح لجغرافيا هذه الفكرة الممتعة كما كنّا نتوقع بلمسات شبابيّة موهوبة، ربّما هي قراءة معيّنة تخصّ شريحة الأطفال وهي في رهان أمام ذائقة مسرح الطفل بوجه خاص.
المسرحيّة رؤية فنيّة بحاجة لبعض الوقت لتنضج إخراجيّاً، فالعمل فاقد للخبرات النخبوية، لو أنّهم استعانوا بقُدرة معروفة محلياً على الأقل لغربلة الصوت الجديد وإطلاقه بوصفه نشاطاً أولاً ضمن احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية (2009) وهو هدية لأطفال غزة كما وقّع عليه المخرج،ولكن ألا يجب علينا أولاً الاعتناء بمضمون الهدية التي تستحق مجهوداً أكبر وكمية حبّ تفوق الفكاهة التي سجلت لصالح هذا العمل ؟!! .