أرشيف الأوسمة: مقالات في جريدة النهضة

الألبوم الشخصي للصور.. ما الذي بقي منه للحياة والمستقبل؟ هل الصورة محاولة للتمسك بشيء لا يمكن الإمساك به في الحقيقة؟

الألبوم الشخصي للصور.. ما الذي بقي منه للحياة والمستقبل؟ هل الصورة محاولة للتمسك بشيء لا يمكن الإمساك به في الحقيقة؟

مر السنوات ونلتقط صوراً لا نعرف لماذا؟ نحتفظ بها لنتذكر! لنضحك! لنبكي! لنشتاق..! ولكن لماذا طالما أن الحياة لن تعود خطوة واحدة للوراء، نحن كائنات غارقة في النسيان بحسب ميلان كونديرا، وشهية العودة تطالعنا دائماً عبر أسلاك الصور تحت الحمراء التي تجذب عيوننا ومخيلتنا وآفاق أحلامنا وأمنياتنا الطاعنة بالأمل، ما الذي صنعته ثقافة الصورة في حياتنا؟ تُرانا أسرى تلك المشاهد الجميلة التي لن تتكرر بوقائعها؟ وقد تعاد بتفاصيل أجمل وأكثر تجدداً وحياة..! نلتقط الصورة على الهاتف الجوال، وربما عبر كاميرا ديجتال، أو قد نستخدم كاميرا احترافية، لكننا في جميع الأحوال نركب لحياتنا إطاراً ملوناً مزخرفاً بالذكريات والصور، إنه شيء مضحك، أن نضيع في اللحظة، الآن، الوقت كي نشاهد ألبوم أفكار ووجهاً وعيوناً ومكاشفات، هل ستخرج الشخوص من الكوادر الورقية التي ترك فيها ومشت في وميض الحياة أسرع من الضوء؟
إذا استثنينا صور المعاملات الرسمية وصور وكالات الأنباء وصور القتل والدم والتلفزة العالمية، وعدنا قليلاً إلى الألبوم الشخصي -على اختلاف رصيده- وحاولنا أن نحاكي تلك الحالة ترى أين نجد ذواتنا وما الذي ننتظره أو نبحث عنه؟
ماذا تمثل الصورة في حياتنا؟ وما المشاعر التي يمكن أن تتركها الصورة، كيف نفسر صدامية المشهد الخاص المحصور هنا بصورة؟ على اختلاف الدقة والألوان نفكر، نحلل ولا تكون إجابتنا إلا من قاموس العاطفة، نحن كائنات تحكمها العاطفة باستمرار، حتى حين نقول إن العمل لا يمكن أن يمشي بالعواطف، لكنا سحقنا بعضنا منذ زمن، هو خيط العنفوان إذاً الذي يستدرج الصور في القوة والضعف، في الفرح والحزن، في اللقاء وفي الغياب.. هل هنالك صورة تشعرك بالحياة وأفراحها وأخرى تأخذك إلى رعب لحظي..؟
تاريخ أم وثيقة؟
تتعلق الصورة بالتاريخ، بالانتماء ربما لهذا التاريخ، هكذا يرى أحمد باشا (كاتب شاب) أن العلاقة مع الصورة تشبه إلى حد بعيد العلاقة مع الذاكرة: «بقدر ما نحب تاريخنا وذاكرتنا نحن نحب صورنا، وأجمل الصور هي التي نصادفها بعد زمن دون تقصدٍ مسبق بتوثيق لحظةٍ من تاريخنا تكثفها الصورة»، في حين ترى فاتن علي (طالب فنون جميلة) أن التاريخ عادةً لا يكفيه الصور فالكتابة تتعلق بمنهجية ما نؤرخ، وإذا أردنا تحميل الصورة أكثر منها لحظة للتذكر، فإننا نفقدها قيمتها الفنية: «الصورة بريق مهما مرت عليه سنون يبقى ألقه محافظاً على قوته وتأثيره، لا يقلب الموازين ويغير مسارات العصر، كما التاريخ ونصوصه وتأويلها، المسألة تتعلق كثيراً بوثائقية فنية أولاً من ثم بدلالات حسية تحمل في تركيبتها حالة من الهستيرية المرحة الباطنة التي تترجم في الوجه إلى بسمة أو غصة» إنها الكيمياء مجدداً، تضيف فاتن، لكننا كتل من مشاعر وأحاسيس فنلصق كل شيء بالكيمياء والخلائط السرية التي ابتكرها البشر، في حين نحن من ابتكار المعجزة الإلهية، الخالق، فهل نختصر هذا التكوين بصورة تعبر عنا بقوة..؟

تفسير الذهول
كيف تصنع الصورة آثارها؟ ربما عندما تتعلق بالحنين والذكريات تقول رغدة حيدر (مصممة غرافيك) أو عندما يكون لها علاقة بالألم، وتضيف: «هنالك صور لها ارتباط وثيق بالطفولة والخيال، أو بوحي قصة قرأناها، أو بحدث عبرنا ضمنه، الصورة تحليل نفسي لباطن الشخص، وهي ارتباط بين البصر الذي يمثل حاسة الرؤيا والبصيرة التي تنوي عن الإحساس والعاطفة، اجتماع هذين العنصرين يعطينا ذاك الإحساس الغريب الذي تسأل عنه» هل يبدو السؤال معضلة إلى هذه الدرجة؟ ربما لأننا لم نعتد على قول حقيقة ما يصدمنا بمشهد أكثر من علامات الذهول، لن نفسر الذهول بالتأكيد، هنالك أشياء نشعرها لكنها أبلغ من أن تقال، فهي يمكن أن تحسّ وحسب، وهنا يرى محمد رسلان (مصور فوتوغرافي) أن ما يمكن إنتاجه في أستديو التصوير التجاري يختلف كثيراً عن اللقطة المقصود الحديث عنها هنا، فتلك تعتمد على التصنع أحياناً وعلى كاميرا الإضاءة الكبيرة والمعالجة الدقيقة لتفاصيل الوجه، في حين لقطة البيت أو الشارع أو العفوية العابرة هي التي تصنع مجدها: «هنالك لقطات لأناس هواة نالت مراكز كبرى في العالم بذكائها، وخصوصاً أن حالة الذهول التي تصل إلى تجلياتها كلما كانت الصورة حقيقية، تجدها هنا مركبة وفق ذائقة تخصصية في قراءة الحالة الصورية التي تقصدها» وهنا إذ نحرص على المحافظة على واقع الصورة على الإنسان يمكننا القول إن الصمت يبلغ أحياناً أكثر من قراءة الذهول، فالصورة تتحدث عن نفسها، أو لنقل إنها تتحدث عنا بشدة..
التمسك بالمستحيل!
تعتقد رشا صادق (طبيبة جلدية) أننا جميعنا نحاول أن نأخذ لقطة للفرح أو للوهم، لكننا: «لا نلتقط صوراً للحزن، ربما هو هوس المخرجين السوداويين، أما الآخرين لو وجدوا هذه الصورة في أرشيفهم لحذفوها فوراً..!» في حين لم يعش أحمد باشا (كاتب شاب) رعباً أو حزناً في صور ما، يقول: «ربما لكوني أعيش نوعاً من التصالح مع تاريخي ومع ما وثقّ من تاريخ» إذاً يعتبر هنا أن الصورة تأريخ، ويضيف: «مهما يكن من أمر الرعب من صورة أو الحزن من صورة، فهي، لحظة أدبية أكثر منها واقعية» هكذا يعتقد باشا أنه يستفيد من الصور المخيفة أو الحزينة في تركيبة فنية، في حين تؤكد رشا صادق (طبيبة جلدية) أن الصورة لقطة لشيء عابر محاولة للتمسك بشيء لا يمكن الإمساك به في الحقيقة، تقول: «لا أحد يمكن أن يخبئ كلام وجهه أمام عدسة الكاميرا، الصورة دائماً تحرك بي الهواجس، أتمتع بقراءة لغة الوجه والعين في الصورة لأننا جميعاً نرمي خلفنا أقنعتنا حين ننظر في العدسة، كلنا حذرون في هذه اللحظة، لحظة الالتقاط، العين والروح تعيشان حقيقة واحدة هي حقيقة الذات» أهو فعلاً كذلك تمسك بالمستحيل، وقراءة مزاجية للوجوه، التمتع بالماضي، هل قلنا التمتع؟ لا شك أن الماضي قد يكون صورة ومتعة في لقطة، ربما مكاشفة في صمت العيون والألوان التي تحاول التمسك بالوقت لتوقفه..

صورتي التي لاشيء!!
الشعراء عادة يأخذون لكل موضوع قابل للنقاش حساسية خاصة، ولعل أكثرها جدلاً رأي أديب حسن محمد (شاعر) الذي يعتبر أن هذه المدعوة صورة لا تمثل له الكثير، وأخذ مثالاً قاسياً غربته المستمرة مع التقنيات وآثارها وما فعلته بهذا التكوين الفني يقول: «فيما مضى (ما قبل الموبايل والكومبيوتر) كانت الصورة تعني لي الكثير، ربما بسبب من قلتها، أعني قلّة الصور التي أحب، وقلة الفرص في الحصول على صور من أحب، وشيئاً فشيئاً بدأت العلاقة مع الصورة تفقد بريقها، وأول الصور التي لم أعد أعيرها أية أهمية تذكر هي صوري أنا بالذات، فيما مضى عندما كنت أجهّز صوري لمعاملة رسمية كجواز السفر أو شهادة السوق أو بطاقتي الصحفية.. الخ كنت أستبعد الصور التي لا أراها لائقة، وأنتقي الصور التي أكون فيها ساحباً بوزاً بالتعبير العاميّ. الآن لم يعد لذلك أهمية عندي على الإطلاق، أول صورة أعثر عليها في أرشيفي أشبكها بأوراقي الرسمية، وأول صورة متاحة على حاسوبي أرسلها للأصدقاء أو للدوريات الأدبية. وهكذا.. لم تعد الصور تشعرني بشيء ذي بال… خاصة صوري أنا».
الصورة.. شعر خاص..
ومع شاعر آخر تختلف القراءة، إذ يرى إبراهيم حسو (شاعر) أن الصورة تمثل إنتاج إحساس مستمر للذاكرة اليومية القابضة على كومة حياة متنقلة، يقول: «تعني لي جعل الصورة جزءاً من انفعال بصري بسيط وصارخ حسبما تقتضيه مزاجية المشاهدة والتخيل أو تفكير معمّق أو تأمل ظاهري للعين الخفية، العين النائمة، الصورة في حياتي ليست بورتريه مؤّطراً أو صفحة ملونة لرأس إنسان أو أي مخلوق متحرك أو ساكن، إنها ثورة في التفكير، ثورة في الوصف المرتجل لأدنى الشعور الإنساني، إنها ثورة في سلوك العين لتحريك الأشياء وتشتيتها بنفس الوقت، إنها خالقة المعرفة الحسية والعقلية معاً، المعرفة الحدسية والمعرفة العقلية، مجرد مشاهدة صورة معينة تخلق معرفة ذوقية للعين ومجرد التفكير بها أو التعمق فيها تصنع إدراكاً بصرياً لا حدود له، أو كما يقولون تدفقاً بصرياً، وبصحيح القول تبني الصورة قيماً إبداعياً في الكتابة الشعرية وما الوصف إلا سمة ظاهرية لها». ولكن شعوره الأكثر اختلافاً عن غيره وربما المرتبط بثقافة المخيلة يجعله يؤكد أن تنبهه إلى صورته وهو طفل بشيء مخيف من أشباح الماضي: «تنبهني صورتي وأنا طفل صغير إلى شبح قبيح قبع في داخلي وارتسمت معالمه طيلة 32 سنة دون أن أشعر بقبحه إلا عندما أعود لفتح تلك الصورة وأعيش في داخلها لبرهة لتعود صحوتي إليّ، لا أعرف أي غموض هذا الذي يلفَ عمق تلك الصورة لكنني أشعر أنها تمثلني، تمثل قبحي وجبروتي وطغياني ووحشيتي، أتساءل: هل من المعقول أن يكون في داخل كل طفل قبح يجدد تفاصيله مع الكوابيس والأحلام والخدع والهلوسة الليلية المتناوبة، أمعقول أني كنت أنظر إلى صورتي دون أن أقول لنفسي كم أنا لامرئي، كم أنا لا أنا. اليوم أشعر كم أنا مخلص لقبحي.
أما الصورة التي تشعر «حسو» بالحياة فهي تلك الصورة: «التي وثقّت ارتباطي بمحيطي وحولي والتي استلمت عقلي ومخيلتي طيلة 26 سنة، إنها صورة الغياب، غياب المعنى والتمثيل لذات تتغّير مع مرور العمر دون التفاتة أو مسحة عطف، تلك الحياة الصورة التي لم تتوقف مع توقف عدسة الكاميرا الخبيثة».
هنالك قراءة من وحي الشاعرية قد لا يجرؤ الجميع على تبنيها، في حين يلعب الشاعر بلغته على سجية قول الصور كما يريد، فهو حتى في كتابته يستخدم من قواميس الصور كثيراً من المحاولات، ولكن حين تسأله عن الصورة الفوتوغرافية فإنه يغرق بشعرية مفرطة لتضيع أو تنتفي الصورة، فيصبح النص صورة تحتاج لإجابات كثيرة..!
اللغز.. الأصعب
ومع صناع الصورة الضوئية نجد أن المسألة تزداد اختلافاً كلياً فمظفر سلمان (المصور الصحفي) يعتقد أن الصورة الضوئية أكثر الأساليب فاعلية لنقل حالة الإنسان، يقول: «أعتقد أن أحد أهم ألغاز الصورة الضوئية، إنها الأسلوب الوحيد تقريباً، أو لنقل الأكثر فاعلية، في تقبل الإنسان لهزائمه، وتساعده إلى حد بعيد للمصالحة مع نفسه بالدرجة الأولى». ويضيف: هناك دائماً ألبوم صور، مرتبط بالحزن غالباً، لكن الأمر المثير، أنني أشعر بفرح غامض، في كل مرة أجلس وأتأمل تلك الصور، ربما هو لأنك موجود الآن وتنظر إلى صور أقسى الأوقات، ما يعني أنك تجاوزت، وانتصرت والدليل أنك موجود. الصورة: وثيقة فرح، بفعل التخطي والتجاوز الزمني، حتى لو كانت مكتوبة بالألم.
بينما ترى ربيعة شما (مصممة غرافيك) أن الصورة كانت ولا زالت تؤرشف لحالات عصية عن فهمنا لها لاحقاً، صور تسأل نفسك من أنا؟؟ من هؤلاء؟؟ لماذا كنت حزينة؟؟ لماذا كنت سعيدة هي أرشيف حياة كاملة، تقول: «ابتسامة توثق لغز اللحظة الغائبة وأخرى توثق ذلك الحزن الطافح من العيون، هو ألبوم الفرح والحزن والدهشة والمشوار الطويل، أعود لألبومي من فترة لأخرى تفرحني كثيراً بعض الصور، أصدقاء قدامى ربما لم نعد نلتقي، أخوتي أهلي، أقول كانت لحظات جميلة لا تنسى حب، فرح، طيش صور طفلي الجميلة الساحرة بحركات غريبة تشعرني بتدفق سيل من الحياة من عينيه لحظات من السحر والحياة». بينما تعتقد أن الحاضر المتقدم على زمن الأمل، غائماً وقاتماً، تقول: «صوري الحديثة الآن تشعرني برعب حقيقي، أقول لنفسي كبرت أين تلك العيون التي كانت ترقص فرحاً.. صورة أمي التي ماتت من فترة تشعرني بغصة لا تنتهي وأشعر أن الحياة توقفت فأعود لصوري القديمة وأبدأ من جديد رحلة الفرح والألق الجميل».
أخيراً
ربما هو الزمن الأكثر تأثيراً في تفسير آثار الصورة، نعم إنك عبرت في هذا المكان في ذلك الوقت على تلك الأوراق الزمنية، مررت، ولم يعد بإمكانك الخطو أكثر نحو الوراء، أنت تزداد قوة بالتجاوز، وتزداد صمتاً بالتأمل، الصورة أمل، نعم هي كذلك، الصورة عاطفة خاصة نبرمج حواسنا حسب قوتها العفوية الصادقة المرتبطة بالحدث والأشخاص والذاكرة.
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 565
النهضة

عندما يقع الإضحاك في شرك التقليد.. ما الذي تعنيه لنا الكوميديا؟

عندما يقع الإضحاك في شرك التقليد.. ما الذي تعنيه لنا الكوميديا؟

السخرية في تفسير راهن.. هل تصنع الضحك أم تصمّغه؟

الكوميديا (الملهاة) هو نوع من أنواع التمثيل، في أفلام التلفزيون أو السينما (دور الخيالة)، تكون به أحداث مضحكة أو نهاية سعيدة. يمكن للملهاة (الكوميديا) أيضاً أن تكون النكت التي يقولها الناس لبعضهم البعض أو القصص المضحكة، ويقال إنها بدأت على يد الإغريق منذ عصر اليونان القديمة. يسمى الأشخاص الذين يمثلون الكوميديا بالكوميديين. هذا الحديث على ذمة موقع ويكيبيديا الإلكتروني، ولكن ماذا يكون جواب المهتمين وغيرهم عن: ماذا تعني لك الكوميديا؟ بعيداً عن المرور في المراحل التاريخية لهذا الفن، نعبر إلى الشارع، إلى المتفرج تماماً، ولنطرح السؤال بشكل آخر أيضاً: إلى أي درجة يتواصل الناس مع هذا العالم؟ لعل أغلبهم يحبذ اصطياد الضحك في وجوه مغمورة ربما في مقطع فيديو، أو موقف كوميدي عابر في يومياته، بعيداً عن أساطير هذا الفن في العالمين العربي والعالمي، ربما تتشكل الكوميديا من تعليق مكتوب في مكان ما، أو من صورة تظهر على الشاشة أو في مطبوعة، لكن حالة المفاجأة الكوميدية هي ما يستحق فعلاً أن يكون، حيث يظن الأغلبية أن هذا الفن هو محصول جاهز للتناول كوجبة طعام، ولم يعد فناً عفوياً يمكن أن يأتي بأي لحظة، ولكن ترى ماذا يقول أولئك المتابعون والمثقفون عن معنى الكوميديا في حياتهم؟
هنالك أناس كثر تعود بهم الذاكرة إلى مسلسلات الأنيمشن الكوميديا، وآخرون يعتبرون أن قمة التراجيديا (المأساة- الحزن) ينتج كوميديا عبر السخرية غير المباشرة منه، وهكذا تختلف وجهات النظر كل حسب ثقافته، فهنالك من عرّف الإضحاك أكاديمياً كما ترجم عن كتب عالمية، وهنالك من وجد في صمته أكثر كوميديا مناسبة للضحك!!
تعريف
يعتقد عوض قدور (سينمائي) بأن ما نعيشه في يومياتنا بتركيبة دقيقة للغاية هو تعريف منطقي للكوميديا إذ يقول عنها: (هي حالة حقيقة نعيشها في أدق التفاصيل وأتعس التفاصيل هي حالة صحية لأي مجتمع يعيش ضمن بساطة وضمن حقيقة مجتمعه) ولكن يبدو هذا الكلام في بنيته العامة كتعريف، تعبيراً معرفياً لهذه الحالة أكثر منه انطباعاً عفوياً وعابراً يدل على باطن قائله ومدى إحساسه بهذا الفن، لأننا هنا نقارب من شكل الحالة العامة المعرفية لخلاصة هذا العالم المقصود هنا بالكوميديا.
أقاليم
بينما يرى أيهم سلمان (صحفي) أن الكوميديا ببساطة هي أكثر الفنون ارتباطاً بالواقع وتختلف معايير تذوقها بين شعب وآخر، وتختلف أنماط تلقيها وقبولها بحسب أنماط الحياة (السئيل بمصر.. ظريف بالهند.. مثلاً) هنا نقع أمام انطباع آخر يبدو أكثر خفة وتعلقاً بالتقاليد الشعبية للضحك، وبالنموذج العام لشخصية الكوميدي، أو مصدر الكوميديا، رغم أن السؤال لا يتطلب هذا الشرح، لعله أخذ شكل السؤال عن تعريف التلقي والقبول والظهور- الحدث الذي صنعها.

تركيب
ولكن أنس زرزر (ناقد) يظن أن الكوميديا هي تناول مشاكل الحياة وأحداثها ببساطة وسخرية، فتوليد حالة الضحك كما يراها: (يحتاج إلى إدراك المحيط ومن ثم إعادة تقديمه ببساطة بعيداً عن التعقيد) ويضيف: الكوميديا لها ثلاثة محاور أساسية ترتبط بالتابوهات والمحرمات (الدين- السياسة- الجنس) وهي المحاور الأساسية نفسها التي تسبب التعاسة للبعض. يبدو زرزر ممسكاً بالقصة جيداً، وأفادته مقدرته النقدية على التحليل أكثر، فهو لم يقدم تشكيلاً حسياً للكوميديا إنما تحدث عنها بإيجاز تفسيرها الفعلي، وهو حالة السخرية والعفوية، ولعل هذا الجانب ما يفتقده كثير من الناس سواءً في تأديته أو في التقاطه من مكان أو مشهد أو حالة.

شعر
يلتقي ألجي حسين (صحفي) بالكوميديا من ناحية شعرية وإنسانية حيث يقول: (الكوميديا هي لحظات اقتطاف للسعادة من أسطح الحزن ومناشر الكذب الإنساني، والتحايل على واقع مأساوي بابتسامات قد تتحول إلى ضحكات تزهر ثمار الألم محولةً إياه إلى فن صعب في تمثيله سهل في تلخيصه، هي بالتالي الوجه الآخر للحياة) وباتجاه المنحى الفلسفي يقودنا حسين في قراءته الفكرية والحسية أكثر، ولكن كنا نبحث عن هذه البساطة في قول ما تعنيه الكوميديا حقاً له، فجاء الجواب: هي الوجه الآخر للحياة، فالتراجيديا تقف في كفة الميزان الآخر لمشاعرنا، ونحن ورصيدنا في التجارب والاكتشاف، ما الذي سنجنيه من الضحك أمام كواكب الدموع التي تذرف في فجائع البشر.
تسلية
وعلى ضفة أخرى يقف أحمد مفتاح- (مشرف في موقع إلكتروني منوع) معترفاً بقوة الكوميديا الطاردة للملل والمنتزعة ضحكاتهم الخجولة من باطن أرواحهم: (الكوميديا هي ضرورة اجتماعية وهي موجودة منذ أقدم العصور، بل وجدت مع خلق الإنسان، وتنبع أهميتها من دورها في طرد الملل من نفوس الناس وانتزاع الابتسامة بطرق عديدة ولا تستخدم دائماً في سبيل السخرية والفكاهة، بل وعلى العكس نستطيع من خلالها إيصال الرسالة التي نريد أياً كان نوعها) وهذه الفوائد التي يمكن أن يجنيها المفتاح من لقاء الكوميديا، لكن رغدة حيدر (فنانة غرافيك) تعلق عبوس الناس من الهموم على ضغط المجتمع فتأتي الكوميديا كمخلص فعال ربما لا تتمثل بحالات، قد ترتبط بأشخاص مرحين ويفعلون الفرح أينما وجدوا (ربما نحلم..!): (الكوميديا عالم بحد ذاته وجزء من شيء روحاني) تقول رغد وتضيف: الكوميديا تسلية وترفيه.. وهذا ما نحتاجه في مجتمعنا..!

وقار
وفي رؤية أخرى نابعة عن تحليل أكثر عمقاً تقول نادين باخص (روائية): (في ظل واقع تراجيدي للنخاع، أرى أنه قد يكون هنالك سبيل متطرّف نوعاً ما للتمكّن من مواصلة الحياة، وهو تصعيد أيّة ذروة تراجيدية يبلغها الإنسان إلى حالة من حالات الكوميديا، وهو بالتأكيد قادر على هذا، فالكوميديا والتراجيديا أساساً متلازمتان في شخصيته، وكثيراً ما لا تنفصلان عن بعضهما البعض) وتضيف: بالنسبة إلي قلّما أظهر الجانب الكوميدي من شخصيتي، وقلّما أضحك من نكتة تُحكى أمامي، فالكوميديا شيء متعلق بطفولة أعلنها لنفسي وللأشخاص المقربين مني، لاسيما الأطفال منهم.

أخيراً
كل يقرأ حسب ثقافته، ولا يتركنا التنظير من حالة المعاش الواقعي، ربما لأن طبيعة التنظير هي كوميديا أساساً..! فكلما أغرقنا بحثنا عن التراجيديا التي أنهكت وقتنا ومخيلتنا كانت الكوميديا تنتظر خارج اللعبة لتسمع ما يمكن أن نقوله عنها حتى تتحسس صدقنا وتدخل حياتنا حقاً..

عمر الشيخ / رقم العدد : 566
النهصة

مُعدّ ومُقدم برنامج “التلفزيون والناس” يفتح قلبه لـ (النهضة) الإعلامي السوري عبد المعين عبد المجيد: لا أحبّ القراءة و أعيش بلا ذاكرة..!

مُعدّ ومُقدم برنامج “التلفزيون والناس” يفتح قلبه لـ (النهضة) الإعلامي السوري عبد المعين عبد المجيد: لا أحبّ القراءة و أعيش بلا ذاكرة..!

دمشق – عمر الشيخ
جريدة النهضة
العدد 567

عبد المعين عبد المجيد في مشغله بدمشق (عدسة عمرالشيخ)

عبد المعين عبد المجيد في مشغله بدمشق (عدسة عمرالشيخ)

لا يغيب عن ذهن معظم السوريين اسم عبد المعين عبد المجيد صاحب برنامج التلفزيون والناس، بمرحه ورحابة صدره وهدوئه وحس النكتة العابرة لديه، حاضر في كل الأوقات صديقاً وإعلامياً ومصوراً و«مونتير» وفناناً تشكيلياً ومعد برامج من المخضرمين، أحبه المشاهد لبساطة روحه ومرونة أحاديثه ولطفها، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على برنامجه الشهير (التلفزيون والناس) الإعلامي عبد المعين عبد المجيد يفتح قلبه في لقاء مع جريدة النهضة عن ذكرياته ويومياته ومشاريعه، في القبو السحري الذي يقضي به وقته إلى جانب الرسم وورشة الخشب الصغيرة، يصنع عالمه الخاص وألوانه التي تعطيه مزيداً من الطاقة والقوة، لا يرمي شيئاً، يحتفظ بكل شيء يمكن أن يتخلصوا منه في منزل من خشب وثياب وقطع حديد وبلاستيك، يهندس تلك الأشياء بتشكيل فني فطري لا ينتمي لأحد سواه، هناك حيث استقبلنا الأستاذ عبد المعين عبد المجيد أجرينا معه اللقاء التالي:
- كيف تقضي يومك، قبيل الاستيقاظ، ماذا تعمل بماذا تفكر، كيف تبدأ هذا الطقس الصباحي؟
دعني أقل إنني أفكر بتناول الطعام في لحظات استيقاظي الأولى، أبقى في المنزل نحو الساعة والنصف، هذه الفترة الزمنية التي أطالع فيها بعض نشرات الأخبار وبعض الأغاني لأم كلثوم أو فيروز، وعلى الرغم من ساعات العمل الطويلة لا أشعر بالتعب ولا أنام كثيراً، أحاول أن أكون مرتاحاً..
- ماذا بشأن حالة التنشيط الفكرية التي يحتاج لها عادة الإعلامي، كالقراءة مثلاً أو تناول القهوة والتفكير بشيء يجب إنجازه؟
أتناول الشاي، ولكن بالنسبة لتنشيط المخيلة، أبحث عن أحد حولي، أمازحه، أرمي له كلمة لنضحك معاً، بغض النظر إذا كان الطرف الآخر مستعداً لهذه الحالة منذ الصباح أم لا.. إلا أنني أحب أن أكون هكذا، مرحاً منذ لحظاتي الأولى بلا أي سبب!
- هل تؤمن بالفأل الخير أو الشر، قبل أن تصل إلى مكان عملك أو أي هدف تتوجه له؟ وما علاقة الطقس بمزاجك الشخصي؟
هنالك شعور يأسرني دائماً هو الأمان المستمر، أنا مطمئن على الدوام، ولدي إحساس يلازمني بأنني سأجد ما أريد على مستوى عملي على الأقل، هنالك حالة من الود تسود وبيني وبين أي شخص يمكن أن يصادفني أو أصادفه أو نتحدث بسرعة أو حتى نخوض جدالاً ما، لم يحصل لي أن انزعجت من أحد، أنا بالي طويل بحكم عملي بالإعلام، وهذا شيء أساسي، عليك أن تتعرف على الناس لتحصل على معلومتك أو مادتك، بالتالي عليك أن تكون طبيعياً، يعني بالعامية (تاخذ وتعطي..) مرونة أو ما شابه.. أما بالنسبة للفصول، فهي سيان، وحتى الانعكاس النفسي على الصعيد الشخصي هنالك سلام مع كل أجواء الطبيعة، الصيف كما الشتاء كما الخريف كما الربيع، الكل مريح وعادي، هنالك أشياء يمكن أن تشاهدها في زحام الصيف ولا يمكن أن تشاهدها بزحام الشتاء، أنا أعيش هذه التفاصيل من خلال تنقلي بوسائل مواصلات يومية تقربني من الناس أكثر حتى أتجاوز هذا الحائط بين الإعلام والشارع…
- لنذهب نحو قصة اللوغو الذي ارتبط باسمك: (التلفزيون والناس) الذي يعرض على شاشة التلفزيون السوري منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً؟
دخلت على التلفزيون السوري عام 1977، ولظرف خاص كنت أعمل بالإذاعة بدل التلفزيون وهو أن أخي كان مدير التلفزيون (فؤاد بلاط) وهذا لم يرق له أن أكون حتى لا يصبح هنالك لبس ما، علماً أني كنت أعمل قبل أن يأتي أخي كمدير، انتقلت حينها إلى الإذاعة وبقيت هناك نحو أربع سنوات جئت كمهندس صوت، حينها كنت قد تقدمت إلى كلية الفنون الجميلة وإلى المعهد العالي للفنون المسرحية ولم أنجح، ثم تقدمت إلى معهد صحفي وتخرجت منه لأكمل عملي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، هنا حاولت أن أقارب عملي في الإعلام إلى دراستي، فقمت بتحرير صفحة في مجلة (هنا دمشق) صفحة رياضة طيلة دراستي في المعهد، وبعد التخرج عملت في الأخبار كمحرر ولكني لم أصبر لأكثر من عشرة أيام، حينها كانت قناعتي ولا زالت أنه إذا أردت أن تفهم التلفزيون عليك أن تعمل مصوراً، لعبة التلفزيون هي الكاميرا، هكذا تتصل الطرقات ببعضها نحو الإضاءة المونتاج.. إلخ، عدا عن أنني كنت مصمماً أن أكون مقدم برامج بخبرتي وبفهمي الخاص للأدوات تلك، فعملت في قسم التصوير والكاميرا نحو خمس سنوات، ومن ثم عملت في المونتاج لأكثر من عامين، وفيما بعد أصبح أخي مديراً عاماً للهيئة العامة للإذاعة التلفزيون وأصبحت أنا ممتلكاً لأدوات مشروعي لأظهر على الشاشة، لكن كالعادة رفض، فبقيت طيلة السنوات العشر في التصوير والمونتاج والإذاعة والصوت والريبورتاج في سبيل أن أجد الفرصة المناسبة للانطلاق، فيما بعد كانت بعض برامج الإعلاميين الكبار أمثال (عدنان بوظو- موفق الخاني..) تحتاج إلى بعض التقارير فكنت أنجزها لهم بفرح وطموح، الأمر الذي رفع من رصيدي في التلفزيون طيلة فترة (1980-1986)، وبعد انطلاق القناة الثانية أصبحت أنجز برامج كمعد ومشارك إعداد مع مجموعة من المعدين الشباب آنذاك، وحين جاء عبد النبي حجازي كمدير عام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، كان يمتلك ذائقة خاصة ونوعية كونه أديباً وروائياً، دعاني إلى مكتبه ليحفزني كي أنجز برنامجاً جديداً ومختلفاً، وقال لي إنه قدم فكرة برنامج يتعلق بالناس والتلفزيون لمجموعة معدين وينتظر تجربة من أحدهم والأجمل ستعرض على الشاشة، حينها رأى الأستاذ حجازي النموذج الذي قدمته بسيطاً وعفوياً وقريباً من الناس والشارع، عندها أخبروني أن الأستاذ حجازي يريد هذا البرنامج دورياً وأسبوعياً ومن حينها انطلق البرنامج الذي اتصف بغرابته وذكاء محتوياته البصرية المخلوقة من الناس ومن طبيعتهم، كما أثنى عليه الفنان دريد لحام مما شجع التلفزيون على الاستمرار في عرضه.
- هل هنالك هوية معينة اعتمدت عليها لصناعة برنامجك (التلفزيون والناس)؟
لم أكن أحضر لشيء، هنالك دردشة عفوية كانت تأتي من أفكاري بعيداً عن الأشكال الجامدة التي كانت رائجة في ذاك الوقت للبرامج التي كان الناس ينتظرها مثل (المواطن والقانون) و(مسابقات) و(سالب موجب) و(مجلة التلفزيون) وكل معدي تلك البرامج من الأسماء الكبيرة منهم (نجاة قصاب حسن- مهران يوسف- مروان صواف- توفيق حلاق.. وغيرهم) بالنسبة لي لم أفكر أن يكون البرنامج مجموعة مقابلات مرسومة بحذافير معينة، بل كنت أصور كل شيء وأفتح أي موضوع مع الأوجه التي كنت ألقاها، كما حدث معي أول مرة في مدرسة دار السلام، فتحت التسجيل ودخلت لأجري لقاء مع أول شخص أصادفه داخل المدرسة، حيث التقيت بمجموعة من المدرسات اللواتي فوجئن بحضور التلفزيون إليهن وارتبكن قليلاً ولكني كنت أتذكر مراراً كيف عملت في الكاميرا الخفية واكتسبت خبرة ألا أشعر هذا الآخر أنه يصور بكل بساطة، صورت تفاصيل اللقاء منذ اللحظة الأولى التي طلبت فيها من إحدى المدرسات أن أجري معها لقاءً، كالعادة كانت تريد أن تحضر نفسها وتضع ماكياجاً وما شابه، ما فعلته أنني صورت كل شيء منذ بداية طلب اللقاء حتى غادرنا المدرسة.. وحين عرضت الحلقة كاملة ذهل الناس من هذه المرونة والعفوية الممتعة التي رصدتها كاميرا البرنامج بخفتها ومزاحها، وهكذا بدأت شعبية البرنامج تزداد وترتفع نحو الأفضل، وفي حينها لم يكن يظهر على الشاشة سوى من هو مهم مسؤول وما شابه، المشاهد إلى جانب غرابته صار يسأل ما الذي حصل في التلفزيون.. ومن هؤلاء..؟ في الحقيقة كان أمراً استثنائياً وهذا ما شجعني على الإكمال، خصوصاً أنني كنت أعمل على إظهار الأطفال بشكل مختلف دون أن يكون لديهم فرصة تؤهلهم للظهور، لأن إيماني بمقدراتهم وعفويتهم هي المؤهل الأهم بعيداً عن مؤسسات الطلائع والرواد، كان هنالك أطفال بحاجة لأن يظهروا ويأخذوا حقهم في الحديث عن أحلامهم واهتماماتهم، رغم ذلك كنت أهاجم بشكل أو بآخر لماذا أسلط الضوء بشكل عشوائي على الناس، ولم يعلم كل أولئك أن هذا البرنامج يصنعه الناس..!
- هذه الحالة تدل عن شخص مثقف، لديه وعي بأهمية وجود الناس في أماكن كهذه بذكاء، من أين تستقي ثقافتك الخاصة؟
أنا من أسرة تعمل في مجال الأدب والإعلام والسياسية، وهذا الجو مناسب ليكون لي مكان في هذه الأسرة، ولعل أخي الكبير هو من كرس لدينا هذا التأثير، وينمو هذا الحس مع حس الكوميديا والمرح الذي كان لي نصيب من التعلق به ومحاولة صناعته حتى في برنامجي فيما بعد، أنا لا أقرأ، لا أحب القراءة، أتابع مراجع للعمل وللمواضيع التي أريد البحث بها وهذا نادراً. دعني أعُدْ لخفة الدم والكوميديا والمقالب التي عززت لدي رغبة العمل على برنامج الكاميرا الخفية، قصة النكتة كنا نبذل مجهوداً لرسمها وصناعتها، أعتقد أن هذه الثقافة التي قامت عليها شخصيتي بشكل أساسي.
- لماذا تقوم بعمليات المونتاج بشكل شخصي على البرنامج الذي تعمل به؟
في الحقيقة لا يمكن أن أحقق ما أريد من المشاهد واللقاءات التي أجريتها ما لم أنجز مونتاج البرنامج بشكل شخصي، هنالك أشياء في ذهني أرغب في تركيبها رغم صعوبتها لكنني أتمتع للغاية بهذا العمل، أنا أعمل إلى جانب الناس لنقلهم للعالم عبر هذه النافذة الصغيرة، أفضل أن أكمل المهمة إلى نهايتها حباً بالناس وباحتفائهم المستمر بالتلفزيون، بالمحصلة أنا أمنتج برنامجي كمشاهد لا كمعد أو كناقد أو كمذيع أو كمخرج، هنالك مشاهد يقوم بهذه العملية وفق رؤيته التي يتمناها، ذاك المشاهد هو أنا..
- لديك مكتبة كبيرة في مشغلك، وفي المنزل كذلك، ألا تقرأ شيئاً معيناً؟ هل هنالك عناوين يمكن أن تجذبك..؟
سبق وقلت لك أن لا مزاج لدي للقراءة منذ الصغر إلى الآن..! وهذه المكتبة الضخمة التي تراها هي حصيلة كتب كنت أجمعها لكي استفيد منها في فكرة أو تحقيق صحفي أو فيلم وثائقي، أنا شخص لا أحمل ذاكرة للقراءة، لا يوجد عندي استعداد لأن أتعبها بموضوع القراءة، أحب أن أبقى هكذا مرحاً وعفوياً وعابراً، منذ الصغر قررت ذلك، لن أقرأ لأني سأنسى، قلت لنفسي الجانب العملي أهم واشتغلت عليه وهذه النتائج، ثانياً والأهم أنني عندما رأيت برنامجي قد نجح وحقق هذه الجماهيرية الكبيرة أحسست أنه قد أصبح ملك الناس وهذه غايتي، علماً لو أنه أتيحت لي فرصة أن أنجز برنامجاً آخر قد يحقق إيرادات مادية أكثر واسماً أكثر لرفضته كي أحافظ على ما أنجزته مع التلفزيون والناس..
- هل هنالك أشخاص أثروا في حياتك؟
هنالك أناس تعلمت منهم في مهنتي، في مقدمتهم أخي فؤاد بلاط، من ثم الأستاذ الإعلامي عبد القادر قصاب الذي استفدت من قساوته وحزمه في العمل، بالإضافة إلى الأستاذ عبد النبي حجازي الأديب والروائي تعلمت منه كثيراً أيضاً.
- كل تلك الخبرات حولك، ألم تلفتك الشاشات العالمية؟
منذ زمن لم يكن هنالك «لواقط» و«دشات» كنا على القناة السورية الأولى فقط، كنا نذهب إلى قسم الترجمة لمتابعة أصدقائنا في عملهم ومتابعة نماذج عالمية أخرى عبر هذه النوافذ، كنت أشاهد ما يهمني لأجربه هنا، كبرنامج الأخطاء والعثرات الذي رأيته على محطة أجنبية، رغم ذلك وجهت هذه الأفكار بالرفض فيما بعد تحت ذريعة إحباط الزملاء أو الممثلين أو ما شابه..
- كل شاب في بداية حياته المهنية قد يصاب بحالات إحباط، أعتقد أنك كشخصية مرحة لست بحاجة للسفر كي تجد ما تريد، ما رأيك؟
بعد برنامج (التلفزيون والناس) جاء برنامج (منكم وإليكم) الخاص بالكاميرا الخفية مع زياد سحتوت وجمال شقدوحة، فبيع لعدة دول عربية وأنتج على نفقة القطاع خاص، فيما بعد قدم لنا عروضاً بالسفر للعمل في الخارج، لم يكن لدي على المستوى الشخصي بأن أخوض تلك التجربة لأن ما يهمني هو أن أقدم لبلدي لأولاد بلادي لأهلي وعائلتي وأصدقائي ما يمتعهم، لو كنت مذيعاً أو مقدم برامج في أي محطة عربية فلن أستطيع أن أقدم لبلدي شيئاً، تلفزيوني الوطني هو ما أطمح إليه لأصل إلى ناسي وأصلهم مع بعضهم، برأيي معظم من ذهب وسافر للعمل في محطات أخرى صنعته المحطة التي وظفته، وهم متطفلون على المهنة لا أكثر، ولعل أكثر ما أضحكني من تغيرات فيمن سافروا وادعوا أنهم كانوا مغبونين
- متى تشعر بالحزن؟
عندما أشعر أنني ظلمت فقط..! لكن مقاومة ذلك ضرورة لتكوين ردة فعل أقوى هي أن تعطي وتعمل.. شخصياً أحاول كل يوم أن أقوم بفعل شيء إيجابي ربما لي أو لغيري وهذا جزء أساسي من العمل، في البيت في الطريق في العمل..
- نحن موجودون في مكان يخصك، يشبهك، مجموعة لوحات على الحائط من رسمك، أشكال خشبية لمنحوتات بلا هوية، ديكور للهدوء وللجلوس مع الذات، ماذا يعني لك هذا المكان؟
هذا المكان هو النت الخاص بي، أبحث عما أريد هنا، إذا نقصت علي معلومات أجلبها، هنا شبكتي الخاصة بالبحث والعمل والإنتاج الشخصي، أنا شخص حركي لذا أحتاج هذا المكان لأتحرك وأقضي وقتي هنا بدل من الإنترنت، لدي هنا وثائق وقصائد معلقة تهمني، لدي ورشة نجارة صغيرة لأعمالي أحب ذلك جداً.. كما أبحث دائماً عما يمكن أن يفيد غيري في حال زارني هنا، من كتب إلى أعمدة صحف إلى معلومات عينية ومكتوبة وفيديو..
بالنسبة للرسم، حاولت من مخيلتي أن أجد ما يمكن أن أقوله برمزية مبسطة للغاية، وهذه الثقافة جاءت من خلال متابعاتي المتواضعة للفن التشكيلي، بالمحصلة هي حالة إحساس ليس أكثر، لا أدعي أنني رسام أو فنان ولا أقدم نفسي هكذا لكنني أحب هذا العالم الرائع من المزج والتركيب والخلط، هنالك جمالية خاصة تلفتني به لا أعرف ما هي، لكنها ساحرة الحضور، أدواتي بسيطة، وغالباً ما أحاول أن أقول شيئاً صعباً في المجتمع عبر اللوحة، ولعل لقاءات مع قارئات الفنجان من خلال برنامجي (التلفزيون والناس) منحني مخيلة خصبة إلى جانب حالة السرد المثيرة التي يرونها حين ينظرن إلى الفناجين، أنا هنا أقوم بدورهن على الألوان وفي اللوحات..

ضيفنا في سطور:
إعلامي سوري، من مواليد 1956، مقدم برامج ومخرج للبرامج المنوعة والثقافية والخدمية، حاصل على شهادة (معهد إعداد إعلامي- قسم الصحافة). تلقى دروساً ودورات في التصوير التلفزيوني وآلية عمل الكاميرا المحمولة، كما تلقى عدة دورات تدريبية في هندسة الصوت والمونتاج الإلكتروني بالإضافة إلى دورات في الإضاءة. عمل في عدة وسائل إعلامية مكتوبة ومرئية
بدأ عمله التلفزيوني في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وخلال سنوات عمله قام بإعداد وتقديم وتصوير وإخراج العديد من البرامج:
- 1980 مشاركة بإعداد وتقديم البرنامج الخدمي «مرصد التلفزيون» على قناة سورية الأولى.
- 1982 محرر في قسم الأخبار.
- 1983 مشاركة بإعداد وتقديم البرنامج الخدمي «محطات تلفزيونية».
- 1984 Reporter في معظم البرامج الخدمية والتنموية.
- 1984 مشاركة بإعداد برنامج «محطات رياضية» تقديم «عدنان بوظو».
- 1985 إعداد وتصوير وإخراج برنامج «الكاميرا 9» الذي يتضمن مشاهد الإسعاف في المشافي وإعطاء النصائح في الأخطاء الشائعة أثناء إسعاف المريض قبل وصوله إلى المشفى.
- 1985 مشاركة بإعداد وتقديم البرنامج الثقافي «موزاييك» على قناة سورية الثانية وبدأ في أول يوم من انطلاقة القناة.
- 1985 تقديم البرنامج المنوع الأرشيفي «ألوان».
- 1986 مشاركة بإعداد وتقديم برنامج «مسا الخير».
- 1987 مشاركة بإعداد وتقديم البرنامج الخدمي «استديو 1».
- 1988 إعداد وتقديم وإخراج البرنامج الشهير «التلفزيون والناس» الذي وضع علامة فارقة في التلفزيون السوري للبرنامج الاجتماعي المنوع، وما زال حتى اليوم برنامجاً متابعاً من كافة شرائح المجتمع. والجدير بالذكر أن أسلوب البرنامج أصبح منتشراً ويستَثمر من الإعلاميين ومقدمي البرامج في صنع البرامج.
- 1993 قدم عدة سهرات تلفزيونية مع الفنان دريد لحام منها: «طائرة الفرح».
- 1995 إعداد وتقديم البرنامج الكوميدي «سامحونا».
- 1995 إعداد وتقديم برنامج «رمضان والناس» – يعرض دورياً في كل عام.
- 1995 إعداد وتقديم برنامج «العيد والناس» – يعرض دورياً في كل الأعياد.
- 2005 إعداد وتقديم وإخراج برنامج المسابقات «على حسابنا».
قام بتأسيس العديد من المراكز الإذاعية والتلفزيونية في سورية، ففي عام 1990 كان مشرفاًَ على مركز المنطقة الشرقية (دير الزور، الحسكة، الرقة) وفي العام 2002 أسس وقام بإدارة المركز الإذاعي والتلفزيوني في محافظة إدلب، وفي العام 2004 مشرفاً فنياً على البث المحلي في جميع المحافظات السورية، وفي العام 2008 أسس وقام بإدارة المركز الإذاعي والتلفزيوني في محافظة القنيطرة لتغطية أهم الأحداث في القنيطرة.
كما شارك في أعمال درامية تلفزيونية بدور الصحفي المذيع ومنها:
- «لك يا شام» مع المخرج غسان جبري.
- «صوت الفضاء الرنان» مع المخرج مأمون البني.
- «أبو الهنا» مع المخرج هشام شربتجي.
بعد هذه التجربة الطويلة في مجال صناعة البرنامج التلفزيوني كان له نصيب من البرامج القوية والشهيرة على أهم القنوات العربية منها:
- 1990 مشاركة في إعداد البرنامج التعليمي «عند جهينة الخبر اليقين».
- 1993 إعداد وتقديم البرنامج الشهير «منكم وإليكم والسلام عليكم» والذي حقق نقلة نوعية على مستوى البرامج في الوطن العربي وعرضته قناة MBC وما زالت بعض المحطات العربية تعرضه حتى اليوم وهو من إنتاج «شركة الفيصل».
- 1994 إعداد وتقديم برنامج «كان زمان» من إخراج «هيثم الزرزوي» وإنتاج شركة «الشام الدولية» عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART
- 1995 إعداد وتقديم البرنامج المنوع «كاميرا الشام» إخراج أيمن زيدان ومن إنتاج شركة «الشام الدولية «عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART.
- 1995 إعداد وتقديم برنامج «دون مونتاج» من إخراج هشام شربتجي.
- 1996 إعداد وتقديم البرنامج الديني «وبالوالدين إحساناً» من إخراج «بديع درويش» وإنتاج شركة «الشام الدولية» عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART.
- 1996 إعداد وتقديم البرنامج الاجتماعي «أمهاتنا» من إخراج «بديع درويش» وإنتاج شركة «الشام الدولية» عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART.
- 1997 إعداد وتقديم البرنامج الاجتماعي «الحياة أمل» من إخراج «بديع درويش» وإنتاج شركة «الشام الدولية» عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART.
- 1999 إعداد وتقديم برنامج «روح الأنغام» من إخراج «ناجي طعمي» إنتاج شركة «الشام الدولية»، عرض على قنوات راديو وتلفزيون العرب ART.
- 2001 إعداد البرنامج الديني التاريخي «الإسلام في بلغاريا».
جوائز:
- جائزة أفضل برنامج كوميدي في مهرجان القاهرة الدولي عن برنامج «منكم وإليكم والسلام عليكم» عام 1993 والذي يتضمن مشاهد للكاميرا الخفية وهو أول برنامج سوري يعرض خارج المحطات السورية وعلى معظم المحطات العربية.
* جائزة أفضل برنامج ديني اجتماعي (وثائقي تسجيلي) في مهرجان ART عن برنامج «وبالوالدين إحساناً» عام 1994.
- جائزة أفضل برنامج اجتماعي وثائقي في مهرجان راديو تلفزيون العرب ART عن برنامج «الحياة أمل» عام 1995

«تعارف» و«كلام».. محطات فضائية لبيع الأحلام الفاسدة والاتجار بأصوات النساء أسعار مكالمات باهظة.. ومحترف للضحك على عقول الناس.!

«تعارف» و«كلام».. محطات فضائية لبيع الأحلام الفاسدة والاتجار بأصوات النساء أسعار مكالمات باهظة.. ومحترف للضحك على عقول الناس.!

النهضة 543
عمر الشيخ


يزداد سعار المد الفضائي على شاشات التلفزة العربية، فتظهر كل أسبوع تقريباً قناة أو قناتان، ولعل آخر ما وصل إليه أصحاب رؤوس الأموال الخارجية هو تمويل محطات المتاجرة بأصوات النساء، وتعليب أصوات الإغواء المبرمجة عبر الكمبيوتر بلهجات عربية مختلفة، لتقدم للمشاهد على خلفية صور منوعة لحسناوات من عالم الموضة والإنترنت، على إيقاع بعض أغاني الرقص الشرقي والغربي أو الموسيقا المثيرة، على غرار محطات البورنو الأجنبية، تقدم هذه المحطات الصوتية رصيداً كبيراً من التنازلات المجانية السريعة والخيالية لمجرد أن يتصل بها الشباب المتحدثون باللغة العربية فقط، فهي موجهة لهم ولقلوبهم كما تدعي، لتمنحهم الأجنحة الوردية والسلالم الذهبية حتى يصلوا إلى قصور الجمال المتمثل هنا بإثارة الصوت الأنثوي على الهاتف، وهذه التجربة لا تقل سخفاً وانحطاطاً من تجربة قنوات (الشات) التي باتت لا تعد ولا تحصى، والخاسر هنا هو المشاهد بدل أن يجد محطة جديدة منافسة بشق من اهتمامات الحياة الإنسانية أو الاجتماعية الحقيقية، تجده أمام اصطدام يومي بعشرات المحطات الفضائية التي تعتمد على صفحات (ستوب كادر) بالإضافة إلى أشرطة متحركة في كل زواياها تنقل هواجس مزيفة تفضح في مضامينها خواء هائلاً تعيشه شريحة واسعة من الجيل.

محطة السعادة والمتعة!
لا يتردد طارق الطالب في كلية الآداب عن محاولات الاتصال بأي رقم غريب (أنتظر مجهولة أو أمل في غائب لا أعرفه..!) قبل أن أسأله عن مدى اقتناعه بفائدة محطات التواصل مع أرقام دولية تتحدث مجيباتها البشرية باللغة العربية الفصحى ويدخلن في محاور (ساخنة) كما يدعوها، يحاول أن يكتشف ما خلف كل ذلك، دون أن يفكر للحظة بالمتعة مع عالم لا يعرف عنه شيئاً، بل ليعرف فقط ما سبب كل ذاك (الانفلات التكنولوجي) الذي بات يهتم بتأمين السعادة للشباب، وبملء وقتهم بعشرات الأحلام الكبيرة التي تكلفهم مئات الليرات لسماع صوت ما من البعيد ربما في أماكن لا تقع على وجه الكرة الأرضية.
بينما يرفض حسام صاحب مقهى إنترنت مجرد الوقوف عند تلك المحطات ويبادر لحذف كل محطات (الشات) و(التعارف) التي يديرها المشاهدون بأنفسهم، وحتى تلك التي تأتينا من آخر بقاع الأرض حاملة آمال السعادة من خلال استخفافها بعقول الناس (معنا أحلى صبايا مثيرات.. هكذا تتردد هذه الجملة طوال اليوم، وما يستفزك أكثر أنهم يصرون أن حياتك لن تكون ممتعة دون الاتصال بهم) ويضيف حسام: (أستطيع بكبسة زر حذف كل تلك المحطات ولكن حتى يتأكد باقي المشاهدين في أنحاء العالم العربي من مدى كذب وسذاجة تلك المحطات تكون قد ربحت بمجرد محاولة الاتصال عبرها أو مشاهدتها أو التفكير بتوجهها المشوه للإنسانية) نحن في حياتنا اليوم نتصل بأي رقم غريب، كيف لو قدم لنا عبر الشاشة؟ ويؤكد حسام: هنالك عطب واضح لدى فئة لا بأس بها من الشباب والشابات لكسر الفضول، علماً أنه بمجرد نسخ أي من تلك الأرقام ووضعها على محركات البحث على الإنترنت لاكتشفت من أي مصدر هي ومن يديرها ولصالح من تغزو وتهدم..
تتصدر تلك المحطات شعارات مثل (نحن حقيقة ومنّا خيال) و(نحن معك لنخلي حياتك أمتع) ترى كيف دخلت تلك المحطات في قائمة حجز المساحة المنوط بها من البث على قمر نيل سات العربي؟

اللعبة تجارية بامتياز
ترى المحللة الاقتصادية نيرمين علي أن هذه المشاريع التجارية البحتة تديرها في الخفاء أجهزة استقصاء غربية لها مصالح مع مخططات لهدر وقت المواطن العربي، والعمل على وتر العاطفة لديه، إلا أن البعض لا يدرك مدى خطورة مثل هذه التجربة ولو بمحاولة الاتصال على الأرقام الدولية (فهو أي «المشاهد- المتصل» بمجرد بدء الاتصال بأي رقم دولي يظهر على الشاشة، فإنه يكسب المحطة أرباحاً طائلة بسبب تشغيله للمخدم الدولي الذي يتيح فرصة للاطلاع على بيانات العملاء في الدول العربية ونوعية الشبكات التي يستخدمونها، ليخسر الطرفان المتصل ومخدم الاتصال من أجل لا شيء وعادة ما يكون المجيب آلياً).
لا تقل هذه الخطوة خطورة عن الرسائل التي يدمن البعض على تداولها عبر شاشات التعارف الفضائية، إذ إن الرسائل الواحدة التي تتضمن ستين حرفاً تكلف نحو ستين ليرة سورية، عدا عن منسوب هدر الوقت والفكر والجهد النفسي، وتضيف نيرمين: (حالة المجتمع العربي تتعلق بمحظورات اجتماعية فرضتها العادات والتقاليد، ولعل الإنترنت الأقل خطورة وهدراً للمال والجهد حتى يتأكد الناس من مدى صحة التواصل وصحيته، كيف لو كان التواصل مع محطات فضائية لا يعرف أحد من يمولها ولمن يمكن أن تعود فوائدها!!).

مكالمات سرية
سامي مهندس معلوماتية واتصالات حاول عبر خدمة (سكايب) الدخول إلى تلك الأرقام لمعرفة مصدرها ومكان إرسالها ونشاطها على المحطات الفضائية، اتضح أنها مخدمة فضائياً بميزات التجوال الواسعة، أضف إلى أنك تستطيع فتح محطة تلفزيونية من أي باص نقل متوسط الحجم لا يمكن كشف مكانه، ولا يحتاج سوى للاقط عالي التقنيات يرسل للقمر الصناعي ويستقبل بسرعة خيالية! ولكن تلك المحطات تتصل مع مجموعة عمل واسعة إلى جانب بعض المواقع الإباحية للنيل من وقت المواطن العربي، وهي تعمل من داخل بلدان عربية بدعم أجنبي، يقول سامي (يجيب عليك صوت أنثوي من لهجة مهجنة، مصرية أحياناً أو أردنية أو لبنانية أو محلية، فيبدأ الحديث حول ما تحبه لدى الفتاة، وما مواصفاتها التي تثيرك.. تسأل عن تفاصيل في جسمك وتدلي بأسرار جسمها عبر الهاتف كأنها تمارس إغواء فاضحاً بتأوهات مبتذلة) ويؤكد سامي: حاولت أن أسجل جزءاً من المكالمة لعله مجيب آلي مبرمج عبر الكمبيوتر ولكن اتضح أن طاقم العمل يحتوي على كوادر بشرية فعلاً من جنسيات عربية وأجنبية للأسف وليست أصواتاً مركبة، وهذا بحد ذاته خسارة مؤسفة لما وصل إليه العلم في المجتمعات المتخلفة.
انحطاط!
هناك أقنية عربية تشارك بالانحطاط الأخلاقي الإعلامي من خلال تقديم هويتها بطباع أفعال الخير والحلال، كإطلاق قناة خاصة تعرض أرقاماً ورموزاً تتضمن سيرة ذاتية عن الوضع الاجتماعي لبعض الناس الذين يبغون التزاوج من غرباء على مدار العالم ولكنهم عرب مئة بالمئة..!
يعتقد (منير) معد برامج في إحدى الفضائيات العربية أن برامج مثل هذه قد تساهم في غربلة المجتمع لكشف اهتمامات الناس الثقافية والحياتية، ويضيف: (تساهم أحياناً هذه الأقنية المتخصصة بالمسابقات وادعاءات الجوائز إلى حد ما بكشف شريحة واسعة من المجتمع العربي تعاني الخواء البصري والثقافي، ولا تعرف استثمار الوقت إلا بقتله عبر محاولاتهم كسب فرص السفر ولو بالأوهام، وهذا يدل على المستوى المتدني لوظيفة الإعلام العربي الراهن التي استنتجها بعض المشاهدين من وجود مثل تلك الأقنية).
ولكن كأن المشاركة العربية على مختلف سبل نشر التسلية وتمضية الوقت تبدو وضاحة من خلال اللهجات وأرقام الهواتف التي تظهر طول فترة بث محطات المسابقات، والهدف هو شراكة واسعة في نشر ثقافة كسب الربح من البيت وعبر الهاتف، والطامة الكبرى أن أكثر الناس يؤمن بتلك الصفقات المشبوهة، وذلك بسبب انعدام الوعي أساساً لدى فطرة المشاهد العربي.
أخيراً
المفارقة لا تكمن في تنوع تلك المحطات الخاوية وحسب، بل باستمرارها على مدار الأربع وعشرين ساعة على الهواء مباشرة، كما أنها غير مجبرة على الرد إن قام أحدهم بشتمهم أو انتقدهم عبر اتصال هاتفي، لأن لديهم قدرة خاصة تجعلهم يقومون بسحب رصيد المشترك المزعج بشكل دوري في حال حفظوا رقمه على كونترول الشبكة الهاتفة التي تخص المحطة، أضف إلى ذلك أن شراكتها مع كبرى مؤسسات الاتصالات العالمية يعد طواعية غزواً ثقافياً رجعياً بامتياز، وهذا ما يجعل المال متحكماً ذكياً بيد تلك الشركات فهي تساهم أيضاً بتأمين معدات إطلاق هذا المربع التلفزيوني الذي يسمى قناة فضائية للمسابقات والتعارف وكلفة المكالمة الواحدة تصل إلى مئة دولار ويزيد..
من الضروري أن تتوقف تلك المحطات التلفزيونية بأي طريقة لكبح عجلات هذا الغزو المبطن بشتى أساليب التسلية والترف التي تغذيها القوى الاستعمارية عبر المال والعلاقات المشبوهة، وقبل كل شيء ليتوقف الضحك على عقول الناس..!

«مثل الكذب» على خشبة القباني لعدنان أزروني تكوينات ارتجالية في شخصيات جاهزة.!

«مثل الكذب» على خشبة القباني لعدنان أزروني تكوينات ارتجالية في شخصيات جاهزة.!

عمر الشيخ
النهضة 512

من مسرحية "مثل الكذب"

من مسرحية "مثل الكذب"


(نحن ولاد هون) لعلها عبارة ملفتة تركها عدنان أزروني مؤلف ومخرج مسرحية (مثل الكذب) التي عرضت أخيراً على مسرح القباني في دمشق، وهي عمل ارتجالي يحكي قصة صدفة تجمع بين غانية في أحد الملاهي الليلية مع سائح أجنبي، حيث تقيم هذه الغانية في منزل تستقبل فيها زبائنها من رواد الملهى وعابري السبيل لتتاجر بجسدها مقابل مبلغ من المال، روح النص قادمة من معاصرتها للأحداث الاعتيادية التي لا يتصور المتلقي أن تتحول في لحظة ما إلى نص إنساني صالح لخشبة المسرح.
فكرة العمل تجسد واقعاً معاشاً لفتاة ليل تعيش انكساراتها اليومية مع مجتمع ذكوري، إذ تصادفها الأقدار بشاب أجنبي (جوان) أي الفنان أديب الصفدي، وقد اصطادته من أحد الملاهي، في البداية تحاول تلك المرأة المدعوة (جمال) أي الفنانة لمى حكيم أن تستفيد من السائح بإعطائه إحدى غرف منزلها مقابل مبلغ من المال يتضمن تكاليف الإقامة، بالإضافة إلى كميات الحنان التي سيؤمنها جسدها لزائرها الطارئ، إلا أن الشاب السائح مع الأيام يرفض أن يكون عابراً ويصر على أن تتوقف عن عملها كبائعة هوى وأن تتفرغ لأخذه سياحة ضمن المناطق الجميلة في بلدها، توافق جمال ولا تدري رغبة الشاب الأجنبي بتغييرها من الداخل وقولبتها كما يريد، لكنه في نهاية الأمر يكتشف أنها بنت ثقافة مختلفة كلياً عما يطمح له ويقرر بعد أن تنشأ علاقة حب بينهما أن يغادر، ترفض (جمال) الذهاب معه ومن خلال خط سير العرض تكشف المرأة عن وضعها الاجتماعي الذي تعيشه المرأة عادة في بلدنا، وكيف تواجه معاناتها وتهرب منها جراء مجموعة من الظروف والعادات والتقاليد التي قلبت حياتها، يتصعد الحوار بينهما كاشفاً عن نقاط اجتماعية وحياتية تمثل معاناة (جمال) وصولاً إلى نقطة النهاية التي تؤكد على جوهر الاختلاف الاجتماعي الذي يحكمهما والذي تشعر به (جمال) وكأنها كذبة، على الرغم من تيقنها أنها ابنة البلد رغم كل الإحباطات التي تواجهها.
جاء إطار العرض العام ضمن تركيبة كوميدية تعتمد على كوميديا الموقف والإيقاع السريع الذي يلفت انتباه المتلقي ويجعل من دهشته محوراً محتكاً بمباشرته مع انفعال الممثل وهو يسرد جمله المتناغمة ببساطة وذكاء، إلى جانب إيقاع الموسيقا المنوع والغني في بداية العرض وخلاله، شكلت الموسيقا مع إيقاع الأداء السريع الذي تفادى وقوع المتلقي في دائرة الملل وتركه يتعايش مع حماسة نوعية قادتها قدرة بطلي العرض على حملها وتبنيها بدقة..
لعب المخرج على النفس الشبابي في بناء مشاهده عبر تلوينات متنوعة خدمت رغبته في تقديم أزمنة خاطفة عبر مسار إضاءة يتغير من خلالها عمل الممثل وفق شرطية وضعت كلاً من بطلي العرض في مجموعة من الأدوار التي جاءت عبر كاريكترات ساخرة مليئة بالحيوية استطاعت حمل الأفكار المادية بعفوية للجمهور.
جاءت خطة المخرج للتحكم في ديكور عرض (مثل الكذب) مبنية على قطع الديكور الشرطية لتقسيم الخشبة إلى مايشبه منزلاً متعدد الأبواب والنوافذ والحجرات، مضيفاً الصور الفوتوغرافية إلى شاشة عرض في فضاء الخشبة من أجل الانتقال بالمكان المسرحي الواحد إلى أماكن خارجية من مدينة دمشق وبقية المحافظات السورية..
نص الارتجال لدى الأزروني مزيج من بعض التهريج وشيء من الإفيهات التي يحترفها ممثل المسرح، إذ نتلمس حشواً لا بأس به في جملة ما قيل من حوار، ولكن عفوية الرصد البصرية لأولئك الطبقات المسحوقة من المجتمع تبدو بيئة ملائمة لكشف خفايا المجتمع، فالمرأة في هذا العرض كانت محوراً رئيسياً يمر على كل الأحداث ويتحكم إلى حد ما بمصائر وأقدار شريحة واسعة من الناس مقابل جسدها، هذا الثمن الذي أكده المجتمع المعاصر اليوم يتداعى أمامنا على شكل نص كوميدي يرصد وحشة فتاة الليل التي يطلق عليها الناس النار ويتهمونها بكل شيء قبيح، ولكن في الجهة المقابلة نشاهد كيف يعري المجتمع نفسه ولو من خلال شخصية متفتحة ومثقفة كما يدعي الناس.. شخصية قادمة من (بلاد برا) تحمل التصورات السلفية لواقع الناس هنا ومدى حاجتهم للمال وللسفر، وهذا ما ظهر في خاتمة العرض حين أخبر السائح فتاة الليل بضرورة رحيله عن هذه البلاد التي تدور كما يدعي في مكانها، وهنا برر لنا المخرج وضع الكرسي في عمق الخشبة ليعبر بين كل مشهد وآخر عن الواقع الذي يدور هنا على أرضية الكذب وأن التعساء هنا يدورون في أحلامهم وفي مكانهم دون أن يلمسوا سعادة تذكر..
مثل الكذب.. عرض بحاجة إلى غربلة فيما يخص تكوين الشخصيات التي ظهرت وكأنها جاهزة للأداء وحسب، دون أن يعرف بها للجمهور من خلال مونولوجات متداخلة عن طبيعة كلا الشخصيتين النفسية والاجتماعية المرتبطة بالذاكرة والأحداث القريبة من لحظة الحدث على الأقل، كيف اصطدمتا مع الواقع اليومي هذا؟ وما سبب وصولهما إلى تلك التركيبة التي جعل من صدفة لقائهما مادة لمسرح الارتجال الساخر بنكهة الكوميديا السوداء.

الشاعر الفلسطيني فايز حمدان لـ(النهضة): أنا شاعر شوارعي قصائدي طالعة من قاع الحارات والحدائق العامة

الشاعر الفلسطيني فايز حمدان لـ(النهضة): أنا شاعر شوارعي قصائدي طالعة من قاع الحارات والحدائق العامة

حوار عمر الشيخ
النهضة

فايز حمدان - عدسة عمر الشيخ شتاء عام2010

فايز حمدان - عدسة عمر الشيخ شتاء عام2010


شاعر بمريولٍ أبيض يتجرأ ويكتب نفسه بعيداً عن التقاليد الشعرية، يكتب أي بياضٍ قد تصادفه عيناه بلغةٍ لا تخلو من التفكّه والكلام البسيط الخارج فوراً من أفران الحواس اليوميّة التي تدوّن القليل من القصائد وتترك هذا الشاعر يعيش الكثير من الشعر في أمكنة الذاكرة والمدن.
فايز حمدان طبيب أسنان وشاعر في أوقات الفراغ، صدرت له مجموعتان شعريتان هما (أولاد الجيران 2003- أقف بمريول أبيض 2009) ينتمي إلى الجيل الجديد من شعراء قصيدة التفاصيل اليومية، يناجي الذكريات رجل كبائن الهاتف الذي يتدفأ في الشتاء على صوت حبيبته القادم من هاتف شوارعي لا يعرف الحب لكنه دائماً يُشعره بالأمان، فقط لأنه يوصله بها، فايز.. الضائع على أرصفة الحنين في الأزقة الوحيدة المطلة على باب توما.. (النهضة) التقت الشاعر الفلسطيني فايز حمدان وأجرت معه اللقاء التالي:
- الصورة تحضر بحذافيرها وتشويشها، في قصائدك، هل تحوّل الشعر إلى صورة؟..
ألجأ إلى صورة مباغتة ألتقطها من مشهد عابر ومألوف، تفاجئ القارئ تماماً كما فاجأتني من السطر الأول في القصيدة، أو أنتقل إلى مقطع شعري آخر عبر صورة شعرية تبدو للوهلة الأولى وكأنها ليست استمراراً للصور التي قبلها. أعتقد أن الصورة الشعرية هي البطل الذي تبنى عليه القصيدة، هذا كله يساهم في بناء معماري مختلف يكسر أو يتجاوز ما هو مألوف، إنني أحاول خلخلة السائد والمستقر ولو قليلاً والعبور بالقصيدة إلى مطارح بكر.
في مجموعتي (أقف بمريول أبيض) حاولت أن أقترب من التكنيك السينمائي باستخدام المونتاج عن طريق تلاحق الصور خلف بعضها مع شيء من التخييل بواقعية يكتنفها بعض الغموض والدهشة، وأيضاً من الفن التشكيلي وخصوصاً فن الكولاج وذلك عبر تكرار المقطع الشعري بتغيير بعض المفردات أو حتى اللون حيث أنتقل من الأبيض إلى الأزرق.
- فن الكولاج شعراً! ألا تجد ذلك معقداً قليلاً؟
– الشعر والموسيقا والسينما والفن التشكيلي فنون تتأثر ببعضها، سأعطيك مثالاً عن كيفية تكرار المقاطع التي أدعوها كولاجاً: (أعطيه الوصفة/ ثم / أقف بمريول أبيض) أمّا في مقطع آخر: (سوف أجرب/ أعطيه الوصفة /ثم /أعبر بمريول أزرق) وفي مقطع ثالث: (من خلف مكتبه/ يحدد موعداً آخر/ ويضحك يمريول أبيض).
- هل تعيش كشاعر بوصفك طبيب أسنان؟ وكيف تتعامل مع المحيط الاجتماعي؟
– أكتب الشعر من موقع الهاوي وبالتالي المحب، أدفع فاتورة الشعر وأنا مرتاح دون كراهية أو أحقاد، أهدي المقاطع الشعرية ولا أتلصص على الشعراء، أجرب وأستمتع، الشعر لا ينتظر منك منافقة النقاد ومساطرهم الدقيقة، هذا الذي يكتب ويقبض من هنا وهناك، يصرف على عائلته أو حبيبته وبفضل مجموعة شعرية أو مجموعتين وأحياناً بضع قصائد أصبح محرراً أو رئيس قسم ثقافي لا أعرف لماذا يتذمر ويتأفف من الشعر!؟ عليه أن يشكر الشعر صباحاً ومساءً.!
أمّا بخصوص معايشتي للمحيط الاجتماعي، أحياناً أذهب بمغامرة التجريب الشعرية إلى حدها الأقصى -على الورق طبعاً- وفي أحيان أخرى لا أكتب الشعر بل أعيشه وهذا شعر أيضاً لكنه مرئي أحياه مع الناس، مرة في العيادة مع المرضى، وأخرى في وسائط النقل والسينما والمتحف والرصيف، وأحياناً مع شعراء قرؤوا قصائدي والآن يشاهدونها، أظن أنك شاهدت إحدى قصائدي عند مقهى رصيف فندق (فورسيزنز) ثم غادرنا الطاولة ومن عليها باتجاه جسر الرئيس.. أنا في عيادتي طبيب أسنان، أحفر وأحشو وأقلع، لقد أصبح الشاعر شبهة، لكنني أتعامل مع مرضاي بطريقة شعرية، أعيش معهم القصائد ولا أقرأها، أمّا إذا كان مريضي من أحد الشعراء، (يا ويلي يا عمر أكلناها) سأصرخ أنا والمرضى جملة صديقي د.محمد عُضيمة الشهيرة: (شعراء.. شعراء.. اهربوا يا شباب!).
- لماذا الشاعر شبهة؟
– الناس ينظرون للشاعر كعاطل عن العمل، وهذا يقترب من الحقيقة إذا اعتبر الشاعر مهنته هي الشعر! أنا لا أقول إني شاعر لأن المريض يعنيه طبيب الأسنان وليس الشاعر، المريض يأتيني لتسكين آلامه، هنالك فجوة كبرى بين قصيدة النثر الجديدة والناس، العالم يجتاحه مد ديني وتطرف ظلامي، الشعر لا ينمو في بيئة كهذه، أمّا إذا كان المريض قارئ شعر فسوف يقرأ شعري..
- هنا ماذا بشأن استخدامك لمفردات مهنتك؟
– عملي في العيادة يشغل حيزاً من وقتي هذا يتم وأنا أقف بمريول أبيض، يومي مملوء بالمرضى والأسنان.. بطبعات الألجينات وجسور الخزف.. برائحة الأوجينول والقلع لكن الدم ليس يومياً في عيادتي، طبعاً لن تجد البحر والنوارس والزبد ولن تجد العليق والتين المجفف في شعري.
- «أقف بمريول أبيض» مجموعة تذهب نحو الذاكرة، متى يقتل الشاعر ذاكرته ويصبح حراً؟
– ذاكرتي هي ذاكرة فلسطينية، لكن ليست ذاكرة مقاومة بالمعنى التقليدي، هي ذاكرة لأناس من لحم ودم، يحبون ويكرهون.. يتصارعون ويحلمون.. هي ذاكرة لبشر يَقتُلون ويُقتَلون وللآن ما زالوا مظلومين، هي ذاكرة أماكن ومدن لم أرها مجبراً، ذاكرتي هي أيضاً ذاكرة دمشقية حياتي كلها هنا. فخورٌ بذاكرتي ولن أقتلها، حرٌ بانتقاء ما أريد منها ثم زجه في قلب القصيدة.
- إذاً ذاكرتك دمشقية، هل لدمشق (المكان) أثر خاص في قصائدك؟
– أنا مفتون بالمكان بكل ما فيه من جماليات، حدائقه.. شوارعه.. أرصفته.. أصوات الباعة.. وجوه الغرباء والحديث العابر.. الجوامع والكنائس.. إشارات المرور.. الضوء الأخضر الأحمر ثم البرتقالي.. نهار وليل العاصمة حتى ضجيجها وتلوثها الذي يخنقني، قسوتها أحياناً، كل ذلك تجده حاضراً في قصائدي. أنا مدين للعاصمة دمشق. أعتقد أني مولع بالمكان لأن بلدة أبي وأمي في فلسطين هي بلدتي فقط في الخيال.
- الآن كيف تقرأ قصيدة النثر هل أصبحت هايكو أو ومضة، ما هو الشعر بالنسبة لك؟
– مازالت قصيدة النثر موجودة بكل تنويعاتها، الغنائية والشفوية والميتافيزيقية والرؤيوية، قصيدة السرد وما يسمى شعرنة السطح، الحداثية وما بعد الحداثية.. إذا قصدت جودة قصيدة النثر فإنها تقاس بمدى شعريتها، بمدى صدقها وحرارتها وحقيقيتها بعيداً عن الشكل الفني.
الشعر بأحد أشكاله وهم والحياة بلا أوهام باهتة وقاتلة، لا أحد يستطيع أن يتعافى من الأوهام، والشعر أيضاً طفولة يقول العرب: (أعذب الشعر أكذبه) أمّا أنا فلا أكذب لا في الحياة ولا في الشعر، على الورق أنا حر تماماً أستفز كل حواسي وأفتح العدسة أقصى ما أستطيع، قصيدتي تشبهني فيها روحي وصوتي لا صوت الآخرين فيها شغبي ولعْبي وطفولتي.. تهكمي وعبثي.. أستطيع أن أقول: أنا شاعر شوارعي، قصائدي طالعة من قاع الحارات والحدائق العامة، الإشارات الضوئية وصالات السينما.. الراقصات والنوادي الليلية تفوح من قصائدي.
أبغض الشعر الملتزم ولم أقرأه إلا في المناهج المدرسية، أكتب عن الغرباء والمارة وأعشق الرقص والدبكة، أمّا إذا كنت تقصد وجهة نظري تجاه كتابة القصيدة فهي عدسة تلتقط ما تريد من الأشياء ثم تعيد إنتاجها ببعد معرفي، لذلك تجد قصائدي تقترب جداً من الحقيقة بلغة تبتعد عن البلاغة والرطانة وتقترب جداً من حرارة الكلام، شعر حسي تُنسج جملته الشعرية من مزيج من الواقعي والغرائبي لتساهم في بناء قصيدة غير مألوفة، صادقة وصادمة.
- هناك سجال يدور حول التراث الشعري والنص لحديث، ما رأيك في ذلك؟
– هل عليّ أن أعيد قصائد أسلافي وأستخدم مفرداتهم وبحورهم وتفعيلاتهم، مجازاتهم واستعاراتهم؟ لو ظهر المتنبي الآن لما كتب عن الخيل والسيف والرمح، ستجد قصيدته قد امتلأت بالمترو والسيرفيس والعاصمة، ولكتب شعراً عن حبيبة بجينز أزرق أو طبيبة بمريول أبيض، يا صديقي: (شاعر وأصولي ما بتركب معي!).
- الأيديولوجيا لحقت بك في مجموعتك الأولى، هل تعتقد أنك تخلصت منها في ديوانك الثاني؟
– أنا لا أتفق معك، قصائد مجموعة (أولاد الجيران) ذاهبة للعابر واليومي متخففة من الأيديولوجيا والبلاغة ونبرتها خافتة، هي سليلة ما قرأت من شعر حسيّ عربي أو مترجم دون أن تظهر تأثيراته، لقد سعيت أن تكون المجازات أو الاستعارات بحدودها الدنيا، وإن وجدت فسيكون لحضورها لذة الطزاجة ومتعة الاكتشاف، باعتقادي كلما تغلبت على المجاز والاستعارة والتشبيه اقتربت من صوتك والتصقت به، وإذا أردت تستطيع أن تُطَعّم القصيدة بحروف العطف والجر بضمائر الغائب والمتكلم، في الثلث الأخير من المجموعة خاصة قصائد (مجرد أسماء) رسمت بورتريهات شعرية لرجال ونساء بأسمائهم، بورتريهات هي خليط من شغب يشتبك في الواقعي بالسوريالي، هنالك مشاكسة واضحة.
- من هم آباؤك الشعريون؟ وهل تحاول قتلهم أم هضمهم؟
– في مرحلة الشباب الأولى كنت قارئاً نهماً لمحمود درويش وتأثرت به، على أبواب الجامعة وبداية نضوجي الشعري بدأت أتخلص تدريجياً منه وأطل على نوافذ شعرية أخرى لكن مرة أخرى كنت أسير الشعر المترجم (ريتسوس وكفافي) أسير محمد الماغوط ودواوينه الثلاث الأولى، نعم سجينهم وبمتعة، حاولت أن أقرأ أدونيس، كلهم يقولون اقرأ أدونيس (أدونيس يا أخي شغلة) في مكتبة الأسد تحديداً وضعت مجلد الشاعر أدونيس على الطاولة، بدأت القراءة ما أتذكره الآن جمل غيبية وصور ذهنية ثم وصلت إلى عنوان (زهرة الكيمياء) وهذا يذكرني بـ(أزهار الشر) للشاعر الفرنسي بودلير، قرأت قليلاً ثم عدت وتأملت العنوان، قلت في نفسي: ما هذا العنوان؟ (أنا بعرف زهر المشمش والدراق) خارج مكتبة الأسد، على سورها وسور الحديقة المجاورة كانت تنتظرني أزهار الياسمين البيضاء برائحتها الزكية. ما يسمى الشعر الخالد لا ينسجم مع مزاجي، لا أكتب وأنا أفكر بل وأنا محموم، من حرارة هذه الحمى تتفجر الصور الشعرية وعندما لا أجد الوقت الكافي للكتابة: (أنا عيّاش شعرٍ ينثر قصائده على الناس..)
ولكن يمكنني أن أقول بالمحصلة إن قصيدة النثر الجديدة ابتعدت جداً عن الماغوط، هضمت أكثر من نصف قرن من التراكم الشعري.
- لكنك تكتب قصيدة تفاصيل يومية قريبة من جو الشاعر محمد الماغوط؟
– السرد عند الشاعر محمد الماغوط تقليدي، أنا أعمد إلى خيار السرد، لكن أبتعد ما أمكن عن السرد الطويل ولغة الثرثرة، أستخدم صوراً حسية خاطفة وسريعة تؤسس لسرد أعتقد أن فيه شيئاً من الخصوصية، كما أنني أكتب قصيدة ليس فيها تمنٍ وأدوات نداء وقد تجاوزت (كاف الماغوط) ورعبه وصراخه العالي حيث الأرض الخصبة لأسلوبه المعروف.

الكاتب والمخرج المسرحي فيصل راشد لـ (النهضة): الصحافة العربية أطلقت النار على دريد لحام وعلقت مشنقة أيمن زيدان

الكاتب والمخرج المسرحي فيصل راشد لـ (النهضة): الصحافة العربية أطلقت النار على دريد لحام وعلقت مشنقة أيمن زيدان

حوار عمر الشيخ
جريدة النهضة


منذ قدم عرضه الأول بعد الاحتراف (التوقيع أخوكم في الإنسانية) حجز المسرحي السوري فيصل راشد مكاناً له في صفوف مؤسسي المسرح الفقير في سورية،
حيث كسب جمهوراً تفاعلياً خاصاً جعله واحداً من المسرحيين السوريين الذين ساهموا في كشف ممثلين أصبحوا الآن نجوماً في التلفزيون والسينما.
هاجسه المستمر المسرح والتعاطي مع كل نماذجه بلا انقطاع، بعد دراسته للإخراج في «التشيك» في أوائل الثمانينيات عاد إلى سورية ليبدأ عروضه المسرحية مع خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية آنذاك. لديه قرابة عشرين عملاً مسرحياً مطبوعاً، (النهضة) التقت الكاتب والمخرج المسرحي السوري فيصل راشد وكان الحوار التالي:
- ماذا تحدثنا عن مسرحك الذي بدأت العمل به منذ أواسط الثمانينيات؟ وكيف تطور أدواتك في النص والإخراج؟
– بدأت كهاوٍ كما بدأ كل الزملاء المسرحيين هواة، كان يغلفنا الحماس والعاطفة والاندفاع وكان المناخ المسرحي أكثر صحية من الآن لأسباب غياب التلفزيون والمحطات الفضائية، مرحلة السبعينيات كانت مرحلة مفعمة بالقراءة، كان الكتاب مهماً جداً وكان المسرح مهماً والسينما كذلك، كانت مرحلة مليئة بالحياة والحراك الفكري والثقافي، حينها شكلت ظاهرة المهرجانات المسرحية منعطفاً بحياة فنانين أصبحوا الآن نجوماً في التلفزيون وهجروا المسرح نتيجة ظروف الحياة وتطور التقنيات البصرية من تلفزيون وسينما وفضائيات. وبعد ذلك في الثمانينيات بدأت فور عودتي من الدراسة في «براغ- الشيك» بالتأليف والإخراج المسرحي، أعطتني فرصة الدراسة في الخارج فسحة أيضاً للتجريب في فنون المسرح من تمثيل وإخراج وكتابة، كما قامت أكثر من فرقة مسرحية هناك بتمثيل نصوص من تأليفي في مدن عديدة منها (بولونيا – براغ)، أمّا في سورية بدأت العمل الاحترافي فكان أول عمل هو (التوقيع أخوكم في الإنسانية) من تأليفي وإخراجي عام 1987.
- ماذا تحدثنا عنه؟ وما هي هويته وفكرته؟
– كان هذا العرض بمثابة نقطة تحول في حياتي، حيث لاقى جماهيرية إيجابية من النقاد والمثقفين وعموم المتابعين، وهو عمل حمل شهادة المخرج المسرحي الكبير «فواز الساجر» حيث راح يطلب من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية آنذاك متابعته لما فيه من حرفية خاصة وبصمة جديدة في المسرح السوري، كما أدرجه أيضاً في إطار العمل التجريبي للمسرح الفقير، ثيمته محاكاة الهموم الإنسانية الباطنة، وفكرة النص تحكي قصة خمسين شخصية يقوم بأدائها ثلاث شخصيات وهم (نجاح سفكوني- مازن الناطور- وضاح حلوم) ثلاثة ممثلين حملوا النص في أكثر من خمس وخمسين شخصية حسبما ألفت، ففوجئ زملائي المسرحيون في تلك الفترة لدرجة الاختزال التي وصلت إليها في (التوقيع أخوكم في الإنسانية)..
- ماذا بشأن تطوير الأدوات في النص والإخراج آنذاك؟
– المسرح الفقير بحسب غروديفيسكي البولوني يعتبر تعبيراً خاصاً عن الحالات الصوفية الجوانية للفقراء في عالم التمثيل، وعبر ذلك يرصد فقراء الهند الذين يصومون شهوراً كما لو أنهم في حالة روحانية، هنا يأخذ غروديفيسكي حالة التصعيد الإنسانية تلك ويضعها كمحور عمل مسرحي في المسرح الفقير، بالنسبة لي تلمّست هذه الواقعية وأسقطتها على مسرحي الفقير لكن ليس كما أراد غرودفيسكي، أردت المسرح الفقير أن يحمل هموم بلدي سورية، فالأدوات تستمد دعمها الفكري من هذا المحيط تماماً، فاعتمدت بشكل أساسي على التمثيل والنص، وطاقة الممثل هي بالنسبة لي حامل المسرح الفقير بامتياز، فكرة «أخوكم في الإنسانية» جاءت من أحداث في المكتبة الوطنية في هامبورغ، حيث قام وضاح حلوم ومازن الناطور بتمثيل أدوار تماثيل من ذهب وكان نجاح سفكوني خلف بوابة المكتبة مسؤولاً عن فتح وإغلاق البوابة، فجأة تقوم هذه التماثيل بالتحول إلى كائنات بشرية وتبدأ التحرك والتمثيل على الخشبة، لتبدأ بعدها بتأدية كل تلك الشخصيات وتضطهد الشخصية التي يجسدها نجاح سفكوني، وسنكتشف أن كل تلك الشخصيات الأوروبية لم تستطع إنقاذ إنسان أسود حكم عليه الزمن أن يكون بواباً في أحد الأمكنة الفاخرة في أوروبا، فتظهر العنصرية التي سادت أوروبا في تلك الآونة وإلى الآن من خلال هذا العرض، كل الثقافة التي تحملها المكتبة تلك وكل الذهب الذي رصعت به التماثيل لم تستطع إنقاذ هذا الرجل الأسود من عقد التطرف اللاإنسانية، في النهاية يتمنى الرجل الأسود لو أنه كلب ليعطفوا عليه ويصرخ التوقيع أخوكم في الإنسانية.. ثم يثور الرجل الأسود ويحرق كل ما في تلك البلاد التي لا تستطيع إنقاذ إنسان..
- كيف استطعت أن تقرأ الثقافة «الشيكوسلوفاكية» التي درست في أصقاعها وتحولها إلى نتاج مسرحي سوري؟
– حالة الاحتراف التي وصلنا لها في الأكاديمية التشيكية هناك لا تمنح لنا الامتياز ما لم نخرج أعمالاً تعرض في الوطن لهموم البلد الذي جئنا منه، وهذا قسم عند التخرج علينا أن نؤمن به ونقطعه على أنفسنا كأن نخرج أعمالاً لكتّاب بلدنا، وغالباً ما تكون أعمال التخرج من أدباء عرب ويفضل أن يكون سوري، كل الخريجين الأكاديميين كانت مشاريع تخرجهم من نصوص لتوفيق الحكيم وسعد اللـه ونوس.. وبوصفي كنت أكتب مسرحاً في تلك الفترة فكنت أقوم بإخراج أعمالي بنفسي أو بإعطاء بعضها لطلاب زملاء هناك ليساهموا في تعدد الرؤيا، هنا أنا أسست مسرحاً فقيراً مع فرقة خاصة وبدأنا عروضنا في سورية منذ منتصف الثمانينيات.
- هل انتهى المسرح الفقير الذي كنت تقدمه مؤخراً؟ وكيف تنظر إلى المسرح التجاري الذي تقدمه فرق الهواة هنا وهناك؟
– المسرح الفقير لم ينتهِ! المسرح الفقير أصبح رؤيا لكثير من الشباب حتى في السينما، إمكانيات هائلة لا تجبر المسرح الفقير على التوقف لأنه يؤسس على ديكور بسيط للغاية ولا يحتاج لتقنيات بصرية وبهرجة فائضة، فلماذا سينتهي؟ في الحسكة مثلاً بدأت مع مدير المسرح هناك بأعمال جديدة تخص المسرح الفقير وهذا دليل قاطع على نشاطه، التفكير بالمساحة الفارغة لا تشغل الشباب الآن! لماذا لا تستهلك هذه المساحة وتترك الخشبة لقدرات الممثلين، لماذا لا يفكر الشباب بأن يكون المسرح نظيفاً؟
- لماذا تتهم الصحافة العربية بأنها قتلت مسرح دريد لحام؟
– أنتم من قتل دريد لحام فعلاً وعلقتم مشنقة أيمن زيدان.. كلا المبدعين كانا يعتمدان اللهجة المحلية، فتصور المسرح الرسمي بعد عشرات السنين بدأ يحكي باللهجة المسرحية التي أطلق النار عليها (اللهجة المحكية الدمشقية)! في الوقت نفسه كانت الصحافة تتهجم عليه وتسميه المسرح (التنفيسي.. التجاري) أنتم كصحافة بالدرجة الأولى قتلتم هذا النمط من المسرح…
- كيف تشرح لنا ذلك؟
– الكاتب داريوفو.. من الشمال الإيطالي الذي حصل على جائزة نوبل، يقدم مسرحاً يحكي باللهجة الإيطالية المحكية وهو ملتصق مع الجماهير، يؤلف نصوصاً ويخرج مسرحاً من اللهجة المحكية وقد ترجمت كل أعماله إلى الإيطالية الفصحى حتى تكون مقروءة، لأنها كتبت بالعاميّة الإيطالية التي لا يفهمها ابن الجنوب الإيطالي حتّى.. هؤلاء العمالقة هم من صنعوا جماهيرية المسرح، ودريد لحام هنا أيضاً قام بالتأليف والإخراج في مسرح الكوميديا السياسية وهذا ليس خارج نطاق المسرح بل هو من صميم جوهره ونجاحه، فاستهجن المثقفون المسرح المعمول باللهجة المحكية وبدؤوا يقذفونه بالحجارة..
- إن كنت تقصد ما كتب عن مسرح همام حوت فذاك رأي ذاتي لكاتبه ولا يلغي حضور همام حوت الذي ينتمي إلى مسرح دريد لحام وكذلك أيمن زيدان.. ما رأيك؟
– بالتأكيد همام حوت امتداد لدريد لحام وأنتم الصحفيين شننتم هجمة قاسية في الإعلام المرئي والمكتوب على مسرح همام حوت وهذا لا يضيف بقدر ما يشوه المشهد، ما الذي لم يعجبكم في مسرح همام حوت أو أيمن زيدان؟ هذا النمط من الكوميديا الساخرة له جمهوره! المثقفون ليسوا مطالبين بمتابعة مسرح اللهجة المحكية.. هذا النوع من المسرح هو نوع متفرد وخاص يسمّى في أوروبا (مسرح الستيرا أو المسرح الشعبي) الكوميديا السياسية أحد محاوره، وهو موجود في باريس وبراغ وبكل بقاع العالم، كما هناك تماماً مسرح كلاسيكي لشكسبير أيضاً.. ومسرح اللامعقول… وهكذا دواليك، هي أنواع من المسرح لا يلغي أحدها الآخر.. هل على المسرح أن يبقى ضمن لغة عربية مقعّرة؟ ثم من قال لك إن هناك أناساً يتقنون العربية كما يظن النقاد والصحفيون؟ والمفارقة هنا أن المسرح السوري راح الآن باتجاه ما كان يستهجنه أيام مسرح دريد لحام في السبعينيات وهذا ما يثير الضحك فعلاً..! أضف إلى ذلك أنتم كصحفيين تخنقون أيمن زيدان بانتقاداتكم القاسية على نمط عمله في المسرح الشعبي، مسرح زيدان مسرح جماهيري له ذائقته الخاصة..
- دعنا نعد إلى مسرح همام حوت، فهو مسرح يعتمد البهرجة والنكتة المنقولة شفوياً، رصده التقليدي للهرج أصبح مستهلكاً للغاية لأنه لا يقدم طاقة فنية في كوادره بقدر ما يقدم نكتاً جاهزة، ما رأيك في ذلك؟
– لو أن هناك أنواعاً متعددة من المسرح في سورية، لكنت وافقتك الرأي، ولكن هذا المسرح له جمهوره وهو بالنهاية محسوب على رصيد المسرح السوري، وكما قلتُ سابقاً حوت امتداد لدريد لحام وهو مسرح حياة علينا التعاطي معه هكذا لا حدود له وأفقه يتسع حسب التغيرات الاجتماعية..
- دريد لحام لم يتوقف لأنه بلا جمهور أو لهجوم الصحفيين عليه بل توقف لأنه لا يوجد محمد ماغوط ثانٍ؟
– بالتأكيد لا! الحياة فيها ألف ماغوط، وكل يكتب على هواه، دريد لحام ليس هو الماغوط، إنما كان يأخذ نصاً من هنا ونصاً من هناك ويعمل عليها جميعها بهويته الخاصة، وكان مسرح الشوك مسرحاً شاهداً على ذلك، تعدد المؤلفون والمخرجون وكان بسوية مسرح دريد لأنهم جميعاً يصبون في مسرح واحد جماهيري محبوب، وفيما بعد أغلق، السبب هو لأن الحياة تتبدل ووربما لم يعد من ضرورة لرجوع مسرح الشوك..
- ماذا عن مسرح أيمن زيدان؟
– بدأ المتلقي المثقف باستهجان مسرح أيمن زيدان، حيث راح يتناوله من باب خروجه عن الأسس المنطقية للمسرح الكلاسيكي، وتقديمه نمطاً ناقداً كوميدياً لواقع المجتمع المعاش، وكما يردد زيدان نفسه «المثقفون يشربون قهوة مرّة ويكتبون مقالات لاذعة بحق مسرح شعبي بسيط وله جمهوره» هذه رسالة من زيدان لانزعاجه بسبب عدم تفهم بعض المثقفين لواقع هذا المسرح المختلف عن الأعمال المألوفة..
- لكن لا تنسَ أن هناك شريحة واسعة من المثقفين تتابع أعمال حكيم مرزوقي وعبد المنعم عمايري وتصفق لهم مع أنهم امتداد للمسرح الذي يتعامل مع اللهجة المحكية كما سبق أن قلت..
- من قال لك إن نصوص مرزوقي ليست شعبية وجماهيرية..!
- تماماً هذا ما أقصده، أي إننا نتابع نحن المثقفين كما تدعي مسرحاً جماهيرياً وشعبياً ولكن بمعايير فنية مميزة.. أليس كذلك؟
– طبعاً، حكيم مرزوقي يعمل على نوع من أنواع المسرح الفقير، وأنا أعدّه من أجمل أبنائي الذين عملت معهم، وهذا ما جعل له بصمة خاصة، تماماً كما أعتمد أنا في المسرح الفقير على عدد قليل من الممثلين، الحامل الفني هو النص وموهبة الممثل فقط لا يخدم الديكور كثيراً بقدر ما يكون المخرج قادراً على إظهار اختلاف في طريقة مسرحة النص باللهجة المحكية.. وممثلو مسرح حكيم مرزوقي كما تعلم يدورون العالم ويمثلون في أهم المسارح العالمية..
- تقدم مسرحاً يذهب نحو الدلالات الدرامية التي انتقدتها مؤخراً عبر تشبيه الناس بسجناء التلفزيون، ماذا يعني هذا الكلام بالنسبة لأعمالك؟
– بالتأكيد إن دراما المسرح تختلف تماماً عن دراما التلفزيون عبر المسلسلات، دراما المسرح أخطر وأكثر حقيقة بلا رتوش أو أي تجميل في النص البصري، لأنها يجب أن تختزل وقتاً طويلاً لتضع المتلقي في الجو العام للشخصية وعليها أن تذهب باتجاه جوهر في التشكيل البصري مسرحياً، مثال على ذلك مسرحية «ماكبث» أقصر مسرحية كتبها شكسبير لكنها أعنف مسرحية قدمت له في العالم، النص المسرحي يملي عليك الصراع الدرامي السريع، أمّا كتابة الدراما فتحتاج لإملاء مشاهد كيفما اتفق!..
- تقول لا توجد أزمة نص مسرحي بل أزمة مشاهد، ترى كيف تبرر لنا ذلك بأمثلة ملموسة، علماً أن مهرجان الشبيبة المسرحي أظهر جمهوراً منسجماً ومقنعاً، كيف تقرأ هذه الحالة؟
– نام المسرح الرسمي ونهض مسرح المهرجانات، كما في مهرجان الشبيبة والعمال للمسرح تجد إقبالاً جماهيرياً، هكذا تعود الناس، غاب المسرح وحضرت ظاهرة المهرجان وحسب، أمّا أن تجد متلقياً يحضر مسرحاً بلا أي مبررات مهرجانية فهذا شبه معدوم، وعليه فإن وزارة الثقافة قامت بتفعيل المهرجانات بشكل أكبر في المحافظات وفتحت أبواب الظواهر الشعبية، هكذا يتحول المسرح إلى حالة احتفالية تدعو الناس للتواصل بوصفهم يعيشون حالة عزلة اجتماعية، المسرح أصبح مرتبطاً بالمهرجان.
- تتمتع شخوص نصوصك المسرحية المطبوعة حديثاً بحالة انفعالية ملفتة لشدتها تتصل بأدق التفاصيل الحياتية، ترى هل تلجأ للعاطفة في خطابك المسرحي؟
– بالتأكيد، العاطفة في كل كتابة موجودة بقوة خصوصاً عندما تكتب مسرحاً، فهؤلاء الأشخاص يتداعون لك، بالنسبة لي أكتب عن أشخاص أحبهم أو متأثر بهم، شكسبير مثلاً رائد الانكسارات في المسرح، الحياة قاسية وهذا ما يعكس على حياتي الشخصية كماً كبيراً من الألم، وحياة المجتمع ككل تعيش قهراً مرعباً، وأحزاناً باطنة تفور ولا تصدر صراخاً.. هذا المجتمع مهزوم، وأنا واحد من هذا المجتمع.
- هناك لوثة شعرية في الحوارات التي تديرها ضمن مسرحياتك، كيف تستطيع توظيف باقي فنون الأدب في نصك المسرحي؟
– بطبيعة الحال عندما أكتب فأنا أكتب نوعاً من أجناس الأدب والفن، وهو فن كتابة المسرح، لكن الشعر حاضر والأدب برمته أيضاً، اللغة التي أنتقيها مكثفة وتحمل مجازات سريعة، أنا لا أحب الإطالة، هناك تماس حركي في الحوارات أحاول باستمرار الحفاظ عليه، هذه المونولوجات مهمة بالنسبة للمشاهد وهو يبحث عنها في أكثر العروض المسرحية ليتواصل مع العرض بشكل أكبر، وعليه يمكن أن يحتاج إلى تلك الجرعة من الشاعرية، كما أن النص عند الإخراج يتحول إلى حالة فنية أخرى ربما تفقد الشعرية تلك وربما الأدب أيضاً.. النص يعمل على اللهجة المحكية فيمتلك قوة عاطفية كبيرة تقربه من الجمهور وتجعله مقنعاً أكثر.

دراما الكوميدية الخجولة شيء من الشر والبساطة النجم فايز قزق في «باب الحارة 5» نموذجاً إذا أردنا مشاهدة فيرناندو بيسوا ضاحكاً..

دراما الكوميدية الخجولة شيء من الشر والبساطة النجم فايز قزق في «باب الحارة 5» نموذجاً إذا أردنا مشاهدة فيرناندو بيسوا ضاحكاً..

عمر الشيخ
النهضة

قزق متدياً القبعة في باب الحارة 5 مع

قزق متدياً القبعة في باب الحارة 5 مع


جزء بعد الآخر ومسلسل باب الحارة يطور جيناته الوراثية ويلقح مخيلة كاتبه لينتخب أحداثاً وشخصيات جديدة، متدخلاً بإلغاء الواقعية التاريخية التي ترتبط بالأرضية الفنية لقيام عمل مثل هذا، ونافياً ضرورة وجود جذور من نوع ما تتعلق بقصة شخوصه المبتكرة والغريبة..
مجدداً في الجزء الخامس ظهرت للمشاهدين شخصية أسطورية تلبس زي الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، إنه مأمون بك.. الذي يقوم بدوره الفنان (فايز قزق) هذا الرجل الذي يعمل كمختار للحارة بعد أن اغتالت يد الغدر الزعيم (عبد الرحمن آله رشي) جاء مأمون خليفةً له بحبكة درامية معقدة، حيث يعمل هذا (المأمون) ضابطاً في القوات الفرنسية فيصبح اسمه (الملازم نمر) يا ترى أي نوع من (العواينية) تلك التي اجتاحت باب الحارة؟ فمأمون بك عميل سري مزدوج للفرنسيين من جانب، ويحكم ويشير بين أهل حارة الضبع من جانب آخر، وهو يلبس قبعة شمسية أنيقة ومعطفاً رمادياً طويلاً، مسدلاً عين مستمرة الإغماض ومركزاً بالأخرى باتساع واضح من خلف زجاج نظارة مدورة العدسات تدل على نباهة شديدة ورؤية شريرة ثاقبة وذكية سوف تغير مسار الحارة المريخية..
مأمون بك أو نمر، وجهان لعملة واحدة، برعت في تقمص شخصية الشر الكتومة التي تتمتع بالسطوة والجاه والسمعة الحسنة، وتتغلغل في الناس البسطاء لتنفيذ مبتغيات الاحتلال الفرنسي إلى جانب الاحتلال الذاتي الذي يسعى له، وذلك بتبييض وجهه عند المندوب السامي وهو يقوم بشراء بيت تلو الآخر من أهل حارة الضبع، يدفع الكثير ويقدم الوعود ويتعامل مع الجميع بحيادية حذرة تدل على بطانة كوميدية ساخرة، تستحضره لنا كأنه يقف على خشبة المسرح ويقدم دوراً كوميدياً ما من قاموسه الغني بالضحك.
هاهو (قزق) من جديد يجبره الشرط المالي على التنازل للعمل مثله مثل أي محتاج للمال من الصف الثالث أو الرابع من ممثلي الدراما لتقديم القربان والطاعة للمال الخارجي، حتى لو كان ذلك على حساب نوعية الثقافة التي تسعى لتقديمه كهوية بصرية عن الوطن..! إلا أنه نجح في صنع شخصية كوميدية فرحة تلبس صورة الشاعر الشرس النقيض لمخيلتنا عن الراحل البرتغالي الكبير (بيسوا) شاعر من نوع آخر، شاعر ضابط يكتب قصائده عبر عملاء سريين والمفارقة أنه صادق مع نفسه ونواياه واضحة تجاه الدراما، فهو لا يعرف الضعف، عيناه المضحكتان تثيران البسمة على وجوه المشاهدين، وخططه الملعونة تعبّر عن كوميدية باب الحارة الخجولة، ولكن هل لاحظها أحد..؟
الضحك شامياً..!
أظن أن معظم مشاهد العنترية والصوت العالي والثياب التراثية تليق تماماً بصناعة كوميدية جديدة، خصوصاً أن البيئة عموماً والبيئة الشامية خصوصاً قد تنجب أفكاراً للكوميديا لا تعد ولا تحصى، أسوة بمسلسل ضيعة ضايعة، يمكننا هنا في حارة الضبع الاستفادة من ضجيج (معتز) بصناعة كركتر على هيئة (بوبو) يزعبر ويهز رأسه وعينيه تكادان تنفجران من «التفتيح» لكي نشعر أننا نشاهد (عكيداً) من عام 2010 يرفض أن تجري معه أي وسيلة إعلامية لقاءً حتى لا توجه له أسئلة محرجة لا يمكنه الإجابة عنها بغياب (الزعيم) وفي باب الحارة، و(عزو) لا يستطيع أن يغازل ابنة عمه لأنه ليس عاطفياً! ثم إنه سوف يصبح عكيداً بعد أن يوقع بمأمون بك وقاتل خاله المأسوف على شبابه (أبو شهاب) الذي خلّف (جانتي) وانتقل إلى عام 2010. كما يمكننا الاستفادة من (أبو بدر) الذي يجسد دوره محمد خير الجراح، صاحب سنيّ الأرنب المضحك، الذي يردح و(يولول) أكثر من المرأة الحامل..! تفاجئه الأحداث القاسية بين الفرنسيين وثوار حارة الضبع فيهرب إلى وراء زوجته (القوية) مؤدياً دوراً ممتعاً يسخر من الجبناء آنذاك، لولا ارتباطه قليلاً بمياعة شامية من عام 2010 لكان اسمه (ميمي) أو (سوسو) ولكن بسام الملا أصر أن يحافظ على المنظومة التاريخية والتقاليد، والمفارقة هنا أنه يسلخ دائماً كل هذا الالتصاق التاريخي لأحداث باب الحارة المفتعلة ببعض مشاهد حقيقية من التاريخ، فالمندوب السامي والغوطة والثوار ليسوا من المريخ، لماذا رفض أن يتعامل مع نص أنضج وأكثر موضوعية يحكي عن بعض قصص دمشق بإقناع أكبر..؟
مأمون بك ضحك على الجميع وقام بأداء دور كوميدي شامي شاعري مبطن بما تفقده الدراما السورية من كوميديا الموقف، على قدر ما ترتبط بعض أحداث باب الحارة ونموها السوريالي بطقوس راهنة من هذا الزمن، على قدر ما يثبت لنا مأمون بك أهمية استثمار دراما البيئة ضمن قالب كوميدي ذكي، فنحن نعرف تماماً من الكتب والروايات والتوثيق التاريخي كيف كان بعض أهل الشام أيام زمان يعيشون، إلا أننا لم نكن نعرف كيف يخلق الضحك ضمن تلك الأجواء الصعبة من احتلال وثوار وعواينة وأبواب مغلقة وأفكار مجنونة تحيي العظام وهي رميم..!
الانفعالات..
تقوم شخصية مأمون بك على كتلة انفعالات ممزوجة بشرور ونوايا خفية تقنع أهل الحارة بأنه الرجل النبيل المثالي الخلوق، هنا نتلمس قدرته الكبيرة على حشد كل تلك الشمولية التمثيلية بأكثر من قالب، وتقمص الأحاسيس لخلق حالة مضحكة يحكمها فيض من الإنسانية والوضوح والمرارة..
ملامح الوجه المتسارعة.. التوبيخ الذي يطلقه على رجاله.. المواقف المحرجة التي تصدمه بأهل الحارة.. شرفه العسكري الذي يحميه عند الفرنسيين.. مأمون بك شكراً لانفعالاتك.. نراك في الجزء السادس العام القادم متألقاً بالكوميديا الحقيقية التي تشبهك بنقاء..

الهايكو.. فن العبارة الممتعة في ازدياد الترجمة و البحث عن الذائقة النخبوية رسم تفاصيل الطبيعية لغوياً لقول أشياء هادئة ومضحكة.. ترجمات عن اليابانية والفرنسية بين التصويب و العبث.. ما الذي يمكن قوله؟

الهايكو.. فن العبارة الممتعة في ازدياد الترجمة و البحث عن الذائقة النخبوية رسم تفاصيل الطبيعية لغوياً لقول أشياء هادئة ومضحكة.. ترجمات عن اليابانية والفرنسية بين التصويب و العبث.. ما الذي يمكن قوله؟

النهضة 502
عمر الشيخ


النص الشعري في ثقافتنا السورية خصوصاً والعربية عموماً يخضع بشكل أو بآخر لقواعد راسخة في ذهن القارئ منذ أن تعلم على مقاعد الدراسة أن الشعر مجرد مجاز ووزن وقافية وموسيقا وإيقاع وتفعيلة.. وكل نص خارج هذه الأنماط يعتبر طعناً للتراث العربي الشعري، ولكن في قراءة ثقافة شعوب الأرض لا يمكن أن نطبق هذا المفهوم الجاف والجامد الذي يحبس المخيلة ضمن شكل ومنطق لغوي واحد، حتى فترة زمنية ليست بطويلة منذ حوالي نصف قرن بدأت تدخل إلى المكتبة العربية ترجمات عن لغات أجنبية مختلفة، ولعل كل ترجمة كانت تحمل بصمة مختلفة عن غيرها، فتنوعت الرؤيا وأصبح بالإمكان النهل من الترجمات للخروج من بيئة اللغة العربية التي قيدها الشعر التقليدي، وجعل منها منصاعة طواعية لأوامر الوزن والقافية، حتى لو كان البناء الفني والجمال بمنأى عنها لا يهم.. ولعل أبرز ما دخل إلى مكتبتنا الحديثة هو الترجمات عن الأدب الياباني وتحديداً عن فن “الهايكو” في كتابة النص الشعر القصير الذي يعتمد على اشتغال شديد بالصورة وعناية مميزة باللقطة السريعة والذكية.
وقصيدة النثر في سورية وفي العالم العربي ليست سهلة القراءة على أنها شعر من قبل أغلبية المثقفين لأن معاييرها حتى الآن غير ثابتة وغير واضحة الحدود، في قصيدة النثر لا نعرف أين يبدأ الشعر وأين ينتهي، في غالب الأحيان نقرأ سرداً أقرب إلى القصة الذاتية، وأحياناً أخرى تتقاطع قصيدة النثر بنيةً ورؤيةً ما عدا الإيقاع العروضي مع قصيدة التفعيلة، ولاسيما الملاحم الطويلة وهذا ما يجعلها مرتبكة مروحة في نفس المكان يشبه بعضها بعضاً لدى أغلبية ممثليها.
ولعله من المناسب هنا أن نبدأ بالكتاب الهام الذي صدر حول هذا الشأن وهو “كتاب الهايكو” الذي يتضمن ألف هايكو وهايكو ترجمها وقدم لها الشاعر السوري المقيم في اليابان محمد عُضيمة بمشاركة المستعرب كوتا- كاريا، قد لا يساهم هذا الكتاب كثيرا في قلب موازين الذائقة، إلا أن نخبويته الأدبية تضعنا أمام رهان حقيقي يترك أسئلته برسم المتلقي ونمط الثقافة الداخلية التي يبحث عنها عند شعوب أخرى قد لا تسمح له الفرصة بالتعايش معها.
ضمن مقدمة مطولة يضعنا عضيمة أمام سبب ترجمته لهذا الكم الكبير من روائع الهايكو متناولاً أبرز مفاهيم هذا الفن التي تصل لأكثر القراء بطريقة مغلوطة كأن تسمّى الهايكو قصيدة هايكو.. مع أن كلمة هايكو تقسم إلى قسمين: هاي: ومعناها المتعة والإمتاع، كو: معناها لفظة أو كلمة و عبارة، وهكذا لسنا مضطرين لأن ندعوها قصيدة هايكو، فتشكيلها كما هي باللغة الأم يقدمها على أنها كلمة متعة أو عبارة إمتاع، كما أنها تعتبر الشكل الأكثر التصاقا بالروح اليابانية نظراً لقصرها وشدة قوتها التعبيرية التي تقول ما يود اليابانيون قوله.
بين التذوق والفهم
لا يعدو الشعر بوصفه حالة إمتاع روحية وحسب، ويكمن سرها بالمزاج الشخصي لكل قارئ، ولكن إشكالية فهم الهايكو تتداخل بمدى وصوله عبر التذوق أكثر منه عبر الفهم، على عكس تجارب الشعر الحديث التي تأخذ شكلاً فلسفياً أحياناً يقوم على منح فلسفي وتجريدي يقدم الحكمة وقد هرب قراء هذا الزمن من تلك الأشكال لشدة تشابهها وتناسلها.
يلعب الهايكو كما يقول عضيمة في كتابه الجديد دوراً جوهرياً في تأصيل الهوية اليابانية، وتعتمد بنيته البصرية على روح الضحك والعبث التسلية حيث ينقص الإنسان العربي الكثير ليصل إلى تلك المكاشفة في تذوق فن الهايكو، ولكن هل نستطيع أن نتذوق الهايكو، في لغة الضاد، وماذا ستعني بالنسبة إلى القارئ العربي، عاشق المطولات ست أو سبع كلمات يتكون منها الهايكو الواحد، ويدور موضوعها حول شيء قد يكون بلا قيمة بميزان القيم الشعرية العربي.
هنا يضع عُضيمة اللوم على الميتافيزيقيا في حرماننا تذوق أشياء الطبيعة لغوياً إذا يقول: (يبدو أننا لم نتعلم كيف نتذوق أشياء الطبيعة، أو كيف نحتفي بها لغوياً، إنها التربية الدينية الميتافيزيقية من جديد تكتم الأعين والأنوف والأفواه.
لقد تحول القارئ العربي إلى عالم الرواية بسبب التشابه الكبير الذي يعيشه أكثر الشعراء في قصائدهم، ولعل ظهور قصيدة الومضة المشابهة للهايكو الياباني هو أحد الآثار الإيجابية التي أعطت النص الجديد حداثوية لغوية وفنية متناسقة مع محيطه وثقافته، وهنا لا نعني رسائل الموبايل التي درجت في الآونة الأخيرة على أنها نصوص ومضة شعرية، إنما نريد بذلك الشكل الأقرب إلى الحياة حيث التماس المباشر مع أشياء الطبيعة بعيداً عن الكنايات والتشابيه.
إن العلاقة مع الطبيعة هي مصدر الهايكو الجمالي، حيث يرسم الهايكو بالكلمات منظراً طبيعياً بسيطا وحقيقيا، يحتفي بالهدوء وسط الطبيعة ويفتح بوابة المخيلة للسباحة في تفاصيل غريبة ومضحكة أحياناً وأحياناً أخرى حزينة: (شفافاً يعبرها/ ضوء النهار/ الفراشة النائمة) كتاب الهايكو ص60.

ترجمة مثلثة
في إصدار آخر يقدم المترجم حسان عباس كتاباً من القطع الصغير بعنوان (رحلة مع الهايكو) ترجمه عن اللغة الفرنسية، وفي تحليل لمفهوم الهايكو يقول عباس: (الهايكو نمط شعري ياباني قديم يتميز بكونه أصغر وحدة شعرية مكتملة في آداب العالم قاطبة. ويمكن تشبيه الهايكو من جهة قصره بالبيت الشعري، وبالقصيدة من جهة اكتماله، يبنى الهايكو من ثلاث جمل قصيرة ثابتة الإيقاع و الوزن {5-7-5} ترسم في اللغة اليابانية على سطر واحد) أمّا محمد عضيمة الذي يترجم من اللغة الأم مباشرة إلى العربية وهو الشاعر الأقرب إلى النمط الجديد في الكتابة الشعرية العربية المشابهة للهايكو، يقول: (أهم ما يميز الهايكو من حيث الشكل هو القصر. ويكتب على يمكن الصفحة من الأعلى إلى الأسفل موزعاً على ثلاث أسطر وفق مقاطع صوتية محددة العدد {5-7-5} يعني في السطر الأول خمسة أحرف (أصوات) وقد تكون كلمة وحرفاً يجد تتمته في ما يجيء بعده أو كلمتين، وكذلك في السطر الثاني سبعة أحرف قد تكون أيضاً كلمة أو أكثر أو أقل وأخيراً نختم بخمسة أحرف بحيث يتكون المعنى)
هناك شبه إجماع على احترام القاعدة الذهبية القديمة لعدد المقاطع – الحروف الصوتية ليس لأنها قاعدة ويجب التقيد بها كشرط للهايكو الناجح وحسب، بل ولأنها في الأساس أيضاً تؤكد على التطابق بين المدة الزمنية التي يستغرقها النّفَس عند إطلاق آهة التعجب أو التمتع بشيء، بين الفترة الزمنية التي تستغرقها قراءة سبعة عشر حرفاً صوتياً، أي قراءة الهايكو الواحد تكون بجرة نفسٍ واحد.. هكذا نرى أن رؤية عضيمة من الداخل أكثر وضوحاً وتعبيراً من عباس حيث تتلعثم ترجمة عباس أيضاً لمجموعة الهايكو التي قسمها في كتاب (رحلة مع الهايكو) إلى فصول على اسم فصول السنة من أجل ابتلاع أحجية الطبيعة والهايكو، ليضع القارئ أمام تجربة من الترجمة التي تحتاج إلى بوصلة دقيقة خصوصاً حين تكون ترجمة مثلثة تصل إلى القارئ العربي بعد ثلاث لغات.!
بالتأكيد هذا لا يلغي الترجمة التي قدمها حسان عباس لتلك المقتطفات من الهايكو إذا اختار من نخبتها ما يمتع حقاً حتى ولو أنه نقل عن اللغة الفرنسية، وللصدفة قام عباسة بترجمة مقطع للشاعر الياباني إيسا كنا قد حصلنا عليه في ترجمة عضيمة أيضاً، يقول عباس في ترجمته للمقطع: (بهدوء وثبات/ تتأمل الضفدعة/ الجبال)ص78 كتاب “رحلة مع الهايكو”، أمّا عضيمة يترجم نفس المقطع عن اللغة اليابانية هكذا: (يا للضفدعة/ بكل هدوء/ تحدق في الجبال)ص70″كتاب الهايكو”، يبدو الشرخ واضحاً من صياغة الترجمة إذا يلتف عباس بترجمة مثل هكذا نماذج حول تصدير المعنى كيفما اتفق، أمّا عضيمة المهتم بالتفاصيل واللغة والتدرج الصوري للمشهد يؤكد: إن الضفدعة بكل هدوء تحدق بالجبال، وعباس يقول: بهدوء وثبات..هنا نتلمس اعتيادية خالية من شعرية مميزة بين (بكل هدوء) و (بهدوء وثبات) هذا ما نسميه تشوه اللغة عند ما يقوم المترجم بالعمل على لغة غير الأم وخصوصاً إن لم يكن قد تعايش مع تلك الشعوب التي تمنح بيئتها قدرة أكبر وأغنى على إيصال الهايكو إلى مرحلة الذائقة العربية بأجمل ما يمكن..وفي نهاية المطاف فإن الترجمة ليست أكثر من وجهة نظر تلاقي قبول هذا ورفض ذاك مهما بلغت من الدقة والأمانة، أو التجاوز والخيانة، على أن يبقى هناك شيء من الترجمة يتفق عليه الطرفان.

ذائقة النخبة
لم يوجد الهايكو ليكون فناً شعرياً يقوم بكتابته شخص واحد، إنما هو مشروع تشاركي قد يدخل في بناء هايكو واحد أكثر من شاعر، وذاك الانفتاح الطلق على هواء الآراء والالتقاط اللغوي المنوع منح الهايكو ثقة كبيرة في الاشتغال على جسده الشعري حتى يكون بهويته الأولى واجهة اليابان الحضارية وعدسته المكبرة على الجمال.
النخبة المحلية تستهجن مستقبل القصيدة العربية، إذا أننا لا نقترح تحويل الشعر الجديد كله إلى هايكو بل إلى شعر خاصة من بيئة تشبهه وحده، تشبه ناسه المعاصرين أدواته المختلفة عن الأزمنة الغابرة، ولعل الهايكو مثالاً حياً نقارب فيه تفتح العالم على نمط أدبي عريق ومعاصر في كل الأزمنة، هكذا تدخل ذائقة النخبة إلى منطقة الخطر في إعادة حساباتها حتى تتمكن من تجاوز هذا المنجز الضخم والخاص بشعب يتقن الوعي الجمالي للأشياء ويفوق مثيله في أية نقطة في العالم.

من بثينة في «زمن العار» إلى ليلى في ما «ملكت أيمانكم» سلافة معمار نجومية المراوحة في المكان..!

من بثينة في «زمن العار» إلى ليلى في ما «ملكت أيمانكم» سلافة معمار نجومية المراوحة في المكان..!

جريدة النهضة 506
عمر الشيخ

بثينة (سلافة معمار) في زمن العار

بثينة (سلافة معمار) في زمن العار


يبدو أن موضة تناسل المسلسلات إلى أجزاء وملاحق أصبحت تركيبة جديدة رست على شاطئ التمثيل التلفزيوني، بعد أن أبحر معظم نجوم الدراما السورية إلى بلدان عربية وقدموا تجارب مختلفة هنا وهناك في صناعة لوغوهاتهم الفذة، عادت أيضاً ضجة المراوحة في المكان بالنسبة للنجوم المحليين إلى النشاط، إذ لوحظ تسرب دراماتيكي من موسم رمضان الماضي تحديداً من مسلسل (زمن العار) للشخصية التي اعتبرت صاحبتها الفنانة السورية سلافة معمار من نجوم الصف الأول وذلك بسبب براعتها بالبكاء والردح والندب، وإظهار نموذج الفتاة الساذجة التي تصحو أخيراً على خراب دنيوي واسع ليس يكفيه أخطاء السذج ولا عار الخبثاء.. معظمنا صفّق لبثينة عند تصديها لبطولة مسلسل (زمن العار) وكلنا أكد على قدرتها الفنية بتبني أصعب الأدوار وأكثرها لمعة وخصوصية، ولكن بثينة غيّرت اسمها هذا العام وظهرت كما هي تماماً مع بعض تغيرات المكياج والستايل لتكون ليلى في مسلسل (ما ملكت أيمانكم) الذي يعرض حالياً على الفضائيات العربية، ليلى ليست إلا نسخة كربونية مطابقة لبثينة هل سوف تخيب ظن جمهورها بالاندحار عن صفوف النجومية الأولى بالتميز والاختلاف..؟
منذ ظهورها الأول كفتاة من عائلة متزمتة دينياً وليلى (سلافة معمار) تتحرك ضمن كراكتر مألوف، من خلال خوفها ورعبها الذي تركته عائلتها، أو من خلال التعتيم الاجتماعي على حرية المرأة بالاختلاط مع صديقات خارج عادات وتقاليد العائلات المتشددة بحجاب ونقاب المرأة، وقضايا الدخول والخروج إلى الأماكن العامة والتعرف على أناس جدد، فأصبحت ليلى توغل في إعادة تجسيد دورها السابق كبثينة زمن العار لتكون أمام ورطة كبرى هي تكرار مسببات النجاح في ظروف فنية لا تتلاءم مع المشاهدين، إذ إن بثينة ترسخت بعقول الناس منذ سنة تماماً ولن ينساها أحد إطلاقاً خصوصاً مع شحّ الإنتاجات الدرامية المعاصرة، حيث بات الغطاء أو النقاب الفني لا يكفل إخفاء شخصية بثينة التي لم تنجح كاتبة مسلسل (ما ملكت أيمانكم) هالة دياب بخلق نمط متمرد مختلف عن بثينة القديمة، فوقعت في مطب التناص التركيبي للشخصية مع هوية بثينة التي عرفها الناس في زمن العار كأهم شخصية في العمل.
ترى أين تكمن مشكلة تكوين الدور في اللعبة الأولى لكتابة المسلسل؟ أم في عملية إخراجه؟ أم أثناء تصدي الممثل للدور وقولبتها بما يضيف له ويميز أداءه..؟ المشكلة أن أحداً لم ينتبه لهذا الحشو الدرامي في شخصية ليلى..! فبقدر ما شكل مسلسل (ما ملكت أيمانكم) علامة فارقة منذ لحظات تصويره الأولى في مطلع هذا العام، بقدر ما بدأت تتكشف الآن عيوبه الفنية التي ربّما تبعده تدريجياً عن إطار المنافسة، مع أنه لا غبار على براعة نجدت أنزور برسمه لشخوص العمل، إلا أن الأستاذ نجدت لم ينتبه أن مواطنته رشا شربتجي قد اختارت بثينة منذ زمن لتكون جزءاً من زمن العار فكيف مرت على الأستاذ الكبير هذه الهفوة الفاضحة؟
لا ندري كم يلزم من الوقت حتى تظهر معالم الإختلاف بين ليلى وبثينة مع أن أداء النجمة سلافة معمار يؤكد أن لا تطور لشخصية بثينة سوى أن اسمها أصبح ليلى التي أضافت نقاباً على وجهها مع الحفاظ على تفريك اليدين المستمر وخجل العيون الساحرة وارتباك الأنوثة الخاص الذي تحترفه معمار منذ كانت بثينة، وهذا ما نعترف به إلى جانب ذاك الحضور اللافت لمحيى وجهها الرقيق الذي اعتدنا على جماله وإغوائه من خلال شاشة الدراما السورية، هذا لا يلغي إخفاقاً واضحاً في البحث عن الإضافة إلى ما أنجزته النجمة معمار عبر دخولها في دوامة المراوحة في المكان بحجة نجوميتها التي تنتمي إلى الصف الأول.
عندما نالت سلافة معمار لقب أفضل ممثلة سورية العام الفائت عن دورها في زمن العار بشخصية بثينة، شكل لها ذلك انعطافة هامة في مسيرتها الفنية ووضعها في رهان قاسٍ على تجاوز إنتاجها التمثيلي وهضمها للمنجز الماضي بأعمال جديدة ومختلفة قدر الإمكان عم قدمته سابقاً، لكن ليلى أطاحت بسلافة معمار في (ما ملكت أيمانكم) على الرغم من إعجابي الشخصي بالعمل كجرأة وربط أحداث ستحدث ولكن هذا لا يمنع انتقاد ثغراته لتفاديها في أعمال أخرى، والسؤال هنا ترى هل تراجعت النجمة الشقراء الوسيمة إلى المقاعد الخلفية واكتفت بصناعة شخصية ليلى النسخة الثانية لبثينة إلى جانب (العملاق) نجدت أنزور؟ لا أعتقد ذلك.. ربما مدى انغماسها بكراكتر بثينة أظهر قدرتها الكبيرة على حفظ الدور عن ظهر قلب حتى بعد مضي عام على أدائه لكن هذا لا يتناسب مع طموح المشاهد بأن يقرأ سلافة معمار بوجه جديد وامتياز راهن يؤكد على أهمية موهبتها ويعكس له ليلى حقيقية بعيداً عن الاستهلاك، إلا أن نص هالة دياب يوقع العمل من جديد بمطب فني يحتاج إلى حرفية بضبط القصة وإحكام سيناريوهات شخوصها، لا يتحمل الفنان أو المخرج مسؤولية هذه الثغرة بقدر ما يتحمله الكاتب والمشرف الدرامي -إن توفر- لأن مثل تلك الأخطاء هي أساساً من مهام كاتب السيناريست الذي من المفترض أنه يقف على بنيان ثقافي منوع يرصد شخوصاً جديدة ببناء درامي مختلف عم تناولته الدراما طيلة مواسمها الفائتة..
Omaralshaikh-sam@hotmail.com