Tag Archives: مقالات في جريدة تشرين

رائعة حنّا مينه «الشراع والعاصفة» إلى السينما..شريط مجابهة لسكان البحر

قياسي

دمشق
ثقافة وفنون
الأربعاء 23 آذار 2011
عمر الشيخ

استطاع الروائي السوري حنا مينه رصد إحدى المراحل التاريخية القاسية التي عاشتها البلاد العربية أثناء الحرب العالمية الثانية،.
وخصوصاً على طول السواحل السورية، إذ ندخل معه عبر روايته (الشراع والعاصفة) إلى حكاية مدينة سورية يختلط فيها مجموعة من الأحداث المحيطة بالواقع تعكس أبرز التناقضات التي كانت تسود مجتمعنا غير المتجانس، ذلك من خلال يوميات رجال البحر في صراعهم المفاجئ مع العاصفة، متجاوزين ظروفهم الاجتماعية المتقلبة متسلحين بإرادة البشر بالعيش الكريم والمغامرة.. ‏
هكذا حاول المخرج السينمائي غسان شميط التصدي لعملية كتابة سيناريو الرواية وإخراجه إلى الشاشة الفضية إلى جانب جهتي إنتاج مشترك هما: المؤسسة العامة للإنتاج السينمائي وشركة كان للإنتاج السينمائي والتلفزيوني الفني، ويعد هذا الفيلم الرابع للمخرج شميط بعد (الطحين الأسود، والشمس تشرق مرتين، والهوية). ‏
وتأتي أهمية هذا الفيلم بحسب شميط من أهمية الرواية كفن إحداثيات استثنائية، إذ إن موضوعها جاذب درامياً وفيها أساس لعمل كبير (قرأت العمل أكثر من مرة وكان السؤال دائماً.. ما الذي نريده منها؟. فحاولنا السير مع الفكرة الأساسية التي تتلخص حولها الرواية ككل، ولم نتشعب في أكثر من اتجاه فكان هناك شخصية أساسية هي البطل الشعبي (الطروسي) بني العمل عليها وكل ما يدعم هذه الشخصية أبقينا عليه وبنيناه في الفيلم وكل ما هو خارج هذا الإطار لم نأخذ به).


وشخصية (الطروسي) التي يجسدها الفنان جهاد سعد تمثل شخصاً يحمل في داخله روح الثورة لأنه رومانسي وابن بيئة فقيرة واستطاع بفقره أن يحقق شيئاً ما، هذا الحلم الذي حققه في أن يرحل عبر سفينة تخالف في مسارها رغبة الأقدار فتتحطم في الطريق إلى الحلم ولكن رغم ذلك لا يتحطم أمل (الطروسي) في أن يحقق ذاته كما رسمها حنا مينه في الرواية (الأمل موجود دائماً عبر الأفعال). ‏
من السهل ومن الصعب أيضاً أن أحكي عن (الطروسي) يقول الفنان جهاد سعد ويضيف: (ربما لأنني سافرت كثيراً وأنا ابن اللاذقية ابن الحارة نفسها، وهذا الوضع النفسي أعطاني أفقاً فنية أتمنى أن تنعكس على طريقة أداء الشخصية). ‏
ويؤكد سعد بأن (الطروسي) هو رمز للإنسان الحر النقي الذي يمتلك هالة كبيرة من الطموح، يتمتع بمحبة الآخرين والغيرة عليهم، يدافع عنهم أكثر مما يدافع عن نفسه لأنه إنسان حر ويدعو للحرية. ‏
يشارك في الفيلم مجموعة كبيرة من الفنانين السورين منهم الفنان ماهر صليبي الذي يجسد شخصية الريّس (سليم الرحموني) هو ريّس وضعه المالي جيد يشتري مركباً وينزل على البحر باستمرار، يعلق في العاصفة عندما يحاول أن يرجع إلى الشاطئ لكنه لا يستطيع ويفقد بعض البحّارة الذين يعملون معه، ولكن فيما بعد ينقذه الطروسي من تلك العاصفة. ‏
أما الفنانة رندا مرعشلي تجسد دور(أم حسن) وهي شخصية سلبية، كانت تعمل في بيت من بيوت الهوى، يدخل على حياتها (الطروسي) ويأخذها من ذاك المكان، ويساعدها بأن تكون شخصية إيجابية، لها فاعلية في حياته، بمعنى أنها تصبح شخصاً ذا أثر إنساني وخاص لدى بطل الفيلم. ‏
الفنان حسام عيد يؤدي دور (أبو رشيد) وهو المسؤول عن المينا، وصاحب حوت المينا، يحاول أن يستولي على كل شيء في المينا من ضرائب الصيادين وغيرها، وهو من الشخصيات البرجوازية في تلك الفترة شخصية قوية جداً الكل يخاف من أبو رشيد ربما لأنه على صراع مع (الطروسي) ومع التجار الكبار يساند من يحبه ويعجبه، ويعطل عمل من لا يتماشى مع مزاجه الشخصي، أبو رشيد شخص مسيطر على كل شيء إلى درجة أنه يتدخل بحركة الناس بشكل عام.. ‏
وعن قسوة تلك الشخصية يقول الفنان حسام عيد: (نحن نجسد شخصيات في هذا الفيلم واقعية مئة بالمئة، أبو رشيد هي شخصية موجودة في الواقع بغير اسم بالرغم من قساوة هذا الشخص ولكن كان يعيل أسراً كثيرة كان سلبياً مع الناس كي يسير عمله وحسب..). ‏
الفنانة ريما الشيخ تجسد دور زوجة أحد كبار البحارين ويدعى الرحموني الذي يذهب الطروسي خلفه، حين تهب العاصفة لا يرجعان..فتصاب النساء بحالة قلق وانهيار.. وخصوصاً زوجته التي تظهر كإمرأة قوية وضعيفة في آن، تبقى على أمل عودة زوجها على الشط برفقة الطروسي فيرجع بعد طول انتظار.. ‏
يذكر أن فيلم (الشراع والعاصفة) كان مقرراً إنتاجه منذ سنتين وكانت المؤسسة العامة للسينما تتمهل في إنتاجه لأنها تعرف مدى كلفته الكبيرة، يقول مدير إنتاج الفيلم فايز السيد أحمد، ويؤكد (لم تستطع المؤسسة أن تنتج هذا العام لولا الدعم الذي جاءنا من شركات خاصة من وزارة المالية أيضاً، سننتج أربعة أفلام هذا العام ومن بينها فيلم الشراع والعاصفة رغم تكلفته الكبيرة فتقدم السيد درغام المرقبي صاحب شركة كان بدعم لهذا الفيلم بعد أن نسق مع المؤسسة لينجز مشهد العاصفة والغرافيك بثمن أكثر تناسباً مع ميزانية المؤسسة، سيكون ذلك في أوكرانيا بالشركة نفسها التي أنجزت غرافيك فيلم (التيتانك) ووصلت تكلفة مشهد العاصفة والأمواج حسب الإحصائيات النهائية حوالي 9 إلى 10 مليون ليرة سوري هو الذي سوف يدفعها مقابل دعم السينما السورية..). ‏
حكاية الفيلم تفتح في مخيلتها بوابة واسعة للسينما، فبقدر ما أغنى حنا مينه فضاءاته السردية في حبكة الرواية، يحاول مخرج الفيلم غسان شميط تجذيب تلك المخيلة ليوصلها إلى حد الانفعال الصوري عبر إمكانية متواضعة وحلول إخراجية اعتمد فيها على التشارك مع فريق تصوير من أوكرانيا ليترك بصمة بحسب تعبيره ستكون مختلفة في خارطة سينما الرواية السورية. ‏

أبجدية تتعرى لـ«سيباستيانو غراسّو» عطر الحياة اليومية

قياسي

دمشق
تشرين ابواب
السبت 1 آب 2010
عمر الشيخ


يتواطأ الشاعر الإيطالي «سيباستيانو غراسّو» مع قاموس الحياة اليومية، ليشكل طيلة أعوام من عام (2000 حتى 2008) نصوص مجموعته (أبجدية تتعرى) الصادرة حديثاً عن (دار التكوين- دمشق 2010) بترجمة حذام الودغيري وتقديم الشاعر السوري أدونيس، حيث يلجأ غراسّو إلى تشكيل انشغالاته بشعرنة أسطح الأحداث العابرة والإيغال في تفاصيل محيطه المادي في الشارع والبيت والغرفة والنفق والسرير، ليكتب باسم الماء والهواء والخبز والقهوة والقطارات وعطر نسائه قصائد تمد أجنحتها نحو الهواء الطلق، ترفرف بدهشة بصرية لتنقلنا إلى عالم مليء بالصور السينمائية المتدفقة بلقطات ذاتية تشبه صاحبها فقط..
تبدو ملامح قصائده الموحشة متداخلة بين اللقطات الشعرية القصيرة والقصائد ذات الإيقاع البطيء والموحد ضمن عالم ومضي من اللغة الرشيقة والصورة الشعرية القائمة على المفارقة والمجاز المكثف تكثيفاً واضحاً ما يدل على تجارب حياتية من لحم ودم، وهذا ما يخلق درجات صوتية متعالية وذكية، تجتاح الفراغ وتدون في الروح ملهاة تداعب المخيلة وتغوص معها في موسيقا التعبير وإيقاع الرغبات، هذا الفراغ التام يملؤه الشاعر بامرأة معشوقة تشكل أمامه لوحة مفاتيح راقصة لكتابة الذكريات في الانتظار: (أحصيت عربات القطار/ لا يعجبني غيابك ولو ساعتين/ ثغركِ، أريد ثغركِ قبل أن يبتلع النفق صوتك في الهاتف النقال). ‏
يدخل غراسّو إلى أدق تفاصيل حياته، ويمزج بعدسة درامية نمو الأحداث على ضفاف روحه، يعبر بأرقه وملله وفرحه وازدرائه إلى الجسد المقابل.. إلى العيون التي توقظه من الخوف لتنام تحت يقظته وهو يغني لها شعراً كالحزن: (هذا الليل يقتات من عنقي بضع ثوانٍ/ الفجر يشوّه الهوائيات والثقوب في شارع موسكوفا/ تمكثين بضع ساعات توقظينني/ من نوم متعثر، من الفراغ/ الذي يمتص منذ أيام ومضات حنق آفل) أحياناً في الغياب يعيد العاشق حركات حبيبته، كأنه يستحضرها في نبضه، وما إن تعود للقاء حتى يعري الشاعر صراحته ليقول: (أمثل خيانات كأنها ألعاب اجتماعية/ أعيد بعضاً من حركاتك/ حتى كيف تجمعين وتحملين إلى فمك فتات كريسينو فوق المائدة/.. /ذكريات خاصة لا أستبقيها في نفسي/ وتتهمينني باللامبالاة). ‏
تزداد مفردات الطبيعة والريف الإيطالي في قصائد غراسّو ليذهب ببعض همومه إلى تزاوج الصورة الحسية بالمكان، فمفردات البيئة الريفية وظفت هنا على اختلاف تكوينها من حطب ورماد وأغصان متكسرة وأشجار وحيدة وأنهار متعبة وعصافير موحشة وشتاء وقطارات ووديان، أجواء خاصة ترتكز عليها أدواته الفنية لخلع الجسد عن الروح وإطلاق العنان لأحلام الحب، وهذه الميزة يفعلها معظم شعراء قصيدة التفاصيل، لكن تجربة هذا الشاعر تبدو كأنها قد تخلصت من الحشو والثرثرة، فهو يكتفي بسرد ما تفصله عدسته الشعرية من صور ورقصات للمحيط الطبيعي الذي يتنفس منه الهواء نفسه ولكنه يطلق فيه ضجيجاً آخر وشهوات خاصة: (ثدياك وُلِدا بين يديّ، في الغاب/ عند حدود مقصورة/ كانت آلهة بحيرة تنام فيها/ منذ قرون وكان صوت البيانو يدفع الأعين للتفتيش عن ليالٍ كُسيت بأودية بيضاء). ‏
في مجموعة «أبجدية تتعرى» هي أبجدية الجسد والطبيعة الريفية.. أبجدية تقوم اللغة فيها على التكنيك السينمائي والواقعية السحرية في آن، حيث نقرأ الكثير من النصوص الخاطفة التي تذهب باتجاه سردية التفاصيل وحقن الخاتمة بجملة شعرية لتضفي على رونق النص دهشة تغفر سرديته المفروضة أحياناً، إضافة إلى غياب بيانات الفلسفة والرؤى، يقدم غراسّو التقاطاته الشعرية بتريث تام كونه أخذ وقتاً طويلاً يصل إلى حوالى ثماني سنوات ليختار نخبته في هذه المجموعة التي توفر النصوص بالإيطالية أيضاً في الكتاب نفسه، وكما قدمه أدونيس يمكن اختصار ذلك بقوله: (في الحياة اليومية فراغ لا يمتلئ إلا بجمال هو تحديداً، جمال المرأة الذي يشكل في قصائد «غراسّو» عطراً دائماً يستمر من وردة الحياة اليومية).‏

محمد ظاظا في صالة «الشعب»: شخوص تنتظر الموسيقا

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
السبت 30 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ
يمكن اعتبار تحوّل ضربة الريشة العريضة إلى ثيمة تقنية أساسية في أعمال الفنان الشاب محمد ظاظا.
كنقلة مباشرة عن التأثر الطبيعي بالنهج الأكاديمي المعروف في كلية الفنون الجميلة، الذي يحاول ظاظا عبر نتاجه الفني المستعاد من معرض سابق في مدينة حلب2009، الخروج من دائرة التكرار البصري و استقطاب أكبر شريحة ممكنة من الآراء، ففي معرضه المقام حالياً في صالة الشعب – دمشق، يركز ظاظا على مشاهد وجدانية تهبه إياها المخيلة العاطفية من طبيعة صامتة ومشاهد لحالات انتظار.. ولكن الميزة التي نستطيع الوقوف عندها هي إصراره الشديد على تحول وجوه شخوص أعماله إلى مجرد مساحة تلاش لونية تشارك خلفية المشهد التشكيلي الملتقط، ليترك أسئلته عن ذوبان الأعصاب في حضرة الانتظار، وأي محال ينتظره هذا الإنسان أو ذاك، وما يقصده ظاظا تحديداً هو صورة جيله الشاب، الذاهب إلى دروب الغياب، والباحث عن فرصة لاستحضار الأمل.


تتنوع اهتمامات ظاظا بين رصده لانفعالات عازفي الموسيقا بقوة لونية يغلب عليها التركيز في اختيار منطق لوني ثابت، وبين دمج ظلال سوداء تعبّر عن وحدة رهيبة يعيشها المبدع مع ذاته. وأحياناً نجد ضجيجاً بصرياً يقوده اللون الأبيض كخلفية لامرأة تحاول أن تعيش الانتظار ولكنها ما تلبث أن تفكر في المحاولة حتى يبدأ وجهها بتعداد ثواني الفراغ. ‏
وفي مشهد خلفي من زاوية كتف عازف بيانو، يسوق الفنان لوني الأبيض والأسود وتدرجهما ليسجل رقص أصابع العازف فوق مفاتيح البيانو كأنه يكتب بالألحان انتظاراً آخر، وصمتاً أكبر، ودهشة خجولة لا تستطيع الالتفات إلى عيني المتلقي، وهنا يظهر الفنان الشباب طاقة مختلفة عن بقية الأعمال، حيث استطاع إلى حد ما التحكم الذكي بزاوية اللوحة ومنح معطياتها إحساساً موسيقياً واضحاً عبر دلقه للون خمري فوق الكتلة العلوية للبيانو، ليظهر المشهد محركاً بحزنٍ هادئ لأوتار البيانو وعيني العازف الخائفتين.! ‏
كما يبدو اللون الأحمر سيداً عاطفياً يقوم بتوزيع الحب على معظم لوحات المعرض، حيث يشكل في أحد الأعمال مشهداً حميمياً لأجساد تغوص تفاصيلها ضمن بقع حمراء متدرجة نحو القاتم حسب كمية الضوء الواردة من أعلى ومنتصف اللوحة لنرى كلا الجسدين في توحد تام مع بعضهما، وتظهر منهما ذراع تحمل كرة زرقاء تتسلى بها لقتل الانتظار، وأخرى تؤنس وحدة ذراع متعبة، أمّا الرابعة تسند بياضاً متسعاً لملامح وجه مشوه وقد سالت مشقات صاحبه لتتحول إلى صخرة تسند يمين الشخصين، كما لو أنها تحصرهما في صورة مشوشة عن آثار الحبّ. ‏
تذهب معظم أعمال الفنان محمد ظاظا إلى حالات ذاتية تتلخص في قتل الفراغ، ومحاكاة الطبيعة الصامتة خلال رصدها بأسلوب تعبيري واقعي غالب على الانطباعية والتحيز النفسي للصدمات التي يعيشها الفنان الشاب مع ذاته وتفاصيل علاقته مع الأشياء وكائنات محيطه. ‏

مهرجان الشّعر العربي الخامس في الرّقة .. قصائد تزين الفرات

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الخميس 23 نيسان 2009
عمر الشيخ
اختتمت مساء الأربعاء الماضي في مدينة الرقة فعاليات مهرجان الشعر العربي الخامس، التي تضمنت أمسيات شعرية، وجلسات نقدية، ومعرض كتب لدار الينابيع في دار الأسد للثقافة في الرقة.

كانت المشاركة واسعة محلياً وعربياً استقطبت أجيالاً متفاوتة بالتجربة، ‏

ومختلفة بالحساسية الشعرية، لم تقدم أكثر القصائد ذاك الشكل الحداثي كما قيل أي (قصيدة النثر)، لأن ما سمعناه لا يبتعد عن الشعر التقليدي(العمودي والتفعيلة)، بعض القصائد كان لها وقع الدهشة والتميز لتجارب ناضجة كقصائد الشاعر البحريني قاسم حداد،التي امتازت بفرادة تشبهه وحده، على عكس ما قدمت الشاعرة السورية الشابة قمر صبري الجاسم قصائد ذات غنائية مباشرة، حملت أصوات الآخرين، وغيبت صوتها الحقيقي. ‏

أما الشاعر السوري نزيه أبو عفش بوصفه تجربة مكرسة شعرياً، فهو أثبت تميزه، بقدرته على التقاط دهشة المستمع، والقبض على مفاتيح الإلقاء وفي كيفية توصيل الحالة، وهذا ما فقده أكثر الشعراء الجدد المشاركين. ‏

عموماً سمعنا شعراً تفاوتت مستوياته،وأحياناً في طريقة البناء اللغوي للقصيدة، ومن الملفت حقاً في حفل الافتتاح المشهد البانورامي لقصائد شعراء كبار منهم أدونيس ومحمود درويش وسنية الصالح، رافقه قراءة متزامنة مع عزف على البزق، والأمتع من ذلك هو ذاك المشهد البصري حيث شاشة سينما متواضعة في وسط المسرح تعرض صوراً لشعراء رحلوا وخلدوا روائعهم وهم (الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، والشاعر العراقي الراحل سركون بولص، ورائع الحداثة الراحل بدر شاكر السّياب، والشاعر اللبناني الذي مات شعراً جورج حاوي، وابن السلمية صاحب أحزان القمر الراحل محمد الماغوط )، تلك المشاهد جعلت الشعر أشهى وفعلاً هذا ما حققه أكثر الشعراء، رغم أن معظم التجارب كانت في طور النضوج وبعضها من المكرسين تماماً، إلا أنهم جميعاً بقاماتهم التي تتألق شعراً زينوا مدينة الرشيد بسحر الصور الشعرية. ‏

جمهورٌٌ يستمع بحب، و الفرات يعزف على ذكرياته هنا الأديب الرائع الراحل عبدالسلام العجيلي يترقب تهافت العطر على أعناق الكلمات وهناك حضارة الكنعانيين تنفض الغبار عن أبجدية الورد والرخام.

من الجانب النقدي توالت على مدى أيام المهرجان جلسات النقد التي وضعت محوراً أساسياً في مناقشاتها وهو(الشعر المعاصر ومسؤولية التنوير)، حيث قرأت محاضرات نقدية بعضها يستشهد بعينات من تجارب شعرية حديثة ويحلل مجازاتها الشعرية،وبعضها تناول علم الجمال والتنوير والتبشير في الحداثة الشعرية، والبعض الآخر تكلم عن تقاطع التجارب القديمة مع النصوص المعاصرة باستخدام مفردات المكان الجغرافي المتبدل،وهكذا شهدت الجلسات نقاشات غنية وتبادل لوجهات نظر متعددة ما جعل التوسع في تلك الجلسات أمراً ملفتاً، ومحط متابعة لمكاشفة تلك الأمور التفكيكية في قضايا الشعر التنويري. ‏

وعلى هامش المهرجان التقينا الناقد د. سعد الدين كليب، وسألناه حول انطباعه ورأيه في المهرجان و الندوات النقدية، ماذا قدمت للشعراء والشعر وهل أضافت للمتلقي وللتجارب المتلهفة للآراء النقدية ؟أجابنا د.كليب(أحياناً نجد خللاً في الربط بين الأمسيات الشعرية والندوات النقدية، وهذا يجعل المتابعين من شعراء وجمهور في حالة تراكم من التلقي والتحليل بسبب تعاقب الفعاليات، الندوات النقدية يحضرها عدد كبير نسبياً مقارنة مع بلدان أخرى،لا يمكن قطف المحصول بشكل مباشر،علينا التريث لفترة زمنية طويلة قليلاً، حتى تصبح هذه المحاضرات بتفاصيلها بين يدينا ككتب،عندها يمكننا التقييم والحكم على اختلاف الذائقة ) ‏

وعندما سألناه عن رأيه في القصائد التي ألقيت في المهرجان أجابنا د.كليب ‏

(سمعنا في المهرجان شعراً جميلاً وكثيراً من معظم الشعراء، لكن بالمقابل سمعنا أيضاً كلاماً لا قيمة له، حتى أن بعضهم يقع بأخطاء لا يصح أن يقع بها شاعر، هناك تجارب شعرية مهمة عربياً من سورية وخارجها قد شاركت بامتياز، هذا المهرجان الأكثر فعالية على مستوى البلاد، والأهم حالياً ) ‏

الشاعر العراقي عبد الكريم الكاصد يؤكد مدى سروره لتواجده في مهرجان الرقة للشعر، ويشيد بهذا الحراك الشعري والثقافي الفعال في هذه المدينة الشبه نائية، يقول: (ما هو جميل في هذا المهرجان هو الحضور لكثير من الشعراء والتجارب المتنوعة والشابة، هذه فرص للتعرف على الجيل الجديد شعرياً.( ‏

ويضيف: )قدمت قصائد جميلة حقاً، وأنا لا أطلب من الشعر أن يكون قمة، أو أطلب من القصائد أن تكون قمماً، يكفي أن نحضر ونستمتع بعوالم هؤلاء الشعراء ونطلع على تجاربهم ومكاشفاتهم الجديدة، ونلتقي بجمهور محب للشعر. هذا المهرجان احتفاء ناصع بالشعر والشعراء والجمهور، طبعاً هناك ذائقة مطلعة بين الجمهور وهذا ما يقدم للشعر تفاعلاً و نقاشات تطور النص وتجعل القصيدة متجددة باستمرار، وحسناً تفعل إدارة المهرجان أنها تطبع القصائد التي ألقيت والمحاضرات النقدية في مجلد يحتوي كل ما قدم في المهرجان، حتى يستطيع القارئ الإطلاع بشكل كامل وبتريث على هذه التجربة المنوعة والمهمة) ‏

أمّا الشاعرة الأردنية مها العتوم فقد كان المهرجان فرصتها للتواصل مع الجمهور السوري الذي تقرأ أمامه للمرة الأولى،حيث ترك المهرجان لديها انطباعاً إيجابياً محفزاً سنح لها فرصة التواصل مع أصحاب أصوات مهمة وحديثة، من بلدان مختلفة مثل سورية و تركيا والبحرين وفلسطين،تقول«العتوم»(المهرجان فرصة جميلة لي كي اقرأ بين الجمهور هنا لأول مرة، قدم المهرجان في حلقات النقد الكثير من التحليلات الحقيقية، برؤية مقنعة، عبر دراسات جادة، تضيف للشاعر جوانب مهمة تزيد تماسك نصه وتجدده، وهذا يغني أكثر التجارب الجديدة، التنوير بشكل عام مفهوم متسع جداً، لا يحقق المهرجان تفسيراً محدداً ومكتملاً عن ذاك المصطلح العميق خلال أربعة أيام فقط!! هي لفته سريعة عن النقد والتنوير، نتمنى أن تصلنا تلك الدراسات بكتاب،لنستطيع الاستفادة منها بشكل حقيقي وفعال، رغم بعض التنظير الذي رفق الندوات النقدية إلا أنها كانت جيدة ومفيدة إلى حدٍ ما( ‏

أما الشاعر السوري صقر عليشي فهو يجد جوانب إيجابية ومميزة كثيراً في هذا المهرجان، ترتكز على النظرة إلى النص الحداثي والبحث عن معايير إبداعية حقيقية، يقول «عليشي » مهرجان الرقة للشعر هو من المهرجانات العربية الجادة، رغم الإمكانيات القليلة فهو يقدم لنا سنوياً مهرجاناً غنياً فيه خيرة الشعراء الرائعين من العرب والأجانب، وما يميز هذا المهرجان أنه ينحو منحاً حداثياً، فهو يبتعد عن الشعر التقليدي العمودي، يقدم تجارب لها حضور هام، أضف إلى ذلك أن لهذا المهرجان علاقات قوية بالشعر الخارجي. العام الماضي أتى بشعراء من تركيا وألمانيا وفرنسا، وأميز ما به هو حضور نقاد مهمين وندوات مكثفة بالعمل والتقصي في عوالم الشعر وتفاعل الجمهور مع هذه الندوات شيء ملفت ومبشر بتطور الثقافة نحو الرقي أكثر ‏

إذاً غالب الانطباعات تشيد بأداء المهرجان وفاعليته مع المتلقي، تنوع مواضيعه المطروحة شعرياً ونقدياً، و ما قدم هو محصول سوف يطبع بعد فترة في مجلد ضخم يحتوي المحاضرات النقدية و القصائد التي قُرئت، مع سير ذاتية لتجارب الشعراء، ويوزع في كل العديد من دول العالم، هذه التجربة تعد حراكاً فعالاً، في منطقة نائية كمدينة الرقة. ‏

ثمّة ثقافة متجددة في تلك المدينة، لأن الأشخاص الحقيقيين والمحبين للثقافة هم من يقومون على تنظيم مثل تلك الفعاليات وبذل أقصى الإمكانيات لإنجاحه ، لذا تستحق مديرية الثقافة في الرقة والقائمين على المهرجان الكثير من الشكر على نشاطهم الملحوظ وعلى هذا الحدث الغني و حضوره الطيب، تحية لشعراء المهرجان وضيوفه، تحية أولاً وأخيراً للشعر صاحب الكلمة الساحرة. ‏

المنامات المشتهاة في « جبل الزنابق » دمشق

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاحد 12 نيسان 2009
عمر الشيخ

ترى كيف يحلم الكتّاب« الروائيون خاصةً» في طبيعة الحال أثناء النوم ؟ وهل ما يشاهد من(منامات) يصلح أن يكون أدباً؟ أمّ هو بالأساس مجرد تخيل مؤسس على عدسة كاميرا تستخدم قوة الكلمة ، تغرقنا في لوثة كاتب مهووس باللغة؟

ولكن ما سيفاجئ قارئ كتاب(جبل الزنابق) للكاتبة السورية سمر يزبك الذي تهديه في افتتاحيتها إلى الشاعرة السورية الراحلة(دعد حداد)،فهو يتعدّى مسألة المنامات العابرة، هناك نزقُ واضح يرش ندى الحروف على طول الكتاب، ثمّة لغة خاصة صاغت مناخات تلك النصوص الأدبية الحديثة، ترتكز على ذاكرة تفاصيل صغيرة، وخليط أحلام تتفق مع هواجس الكاتبة أحياناً في أكثر تأثراتها بالأدب العالمي، (كإدواردو غاليانو في كتاب أفواه الزمن مثلاً)، بل في كل أعماله هو صاحب تلك السردات الحسية التي تعتمد التوصيف الشعري والبراعة الفنية في إقفال المقاطع القصيرة، وما اختلف هنا أنّ معظم الحكايات الجميلة هي مجرد منامات. ‏

(يمتلك جبل الزنابق) طابعاً محلياً يشبه بيئة الكاتبة، هو أقرب إلى جلسة مع الأحلام بمشاهد لغوية تقتفي ما يخفيه العقل أثناء حالة النوم، أي ما يخدّر الروح ويأخذها إلى تفاصيل بعيدة عن الطبيعة، في أكثر فطنتها هي تهويمات خيالية ستصبح فيما بعد « حكي منامات»، أي ما يشبه المونتاج الأدبي بفلاشات لحظية تناسب تعبير الومضة اللغوية.

في أكثر نصوص هذا الكتاب توثيق ليس لحالات الكاتبة في ماضٍ معين ومستقبل قادم، إنما هي رؤية حياتية لتجربة سمر يزبك مع مقتنيات الحدث في تاريخ الأنثى بشكل عام، بمعنى أدق هي تكتب باسم بنات جنسها عن مراحل قديمة وأحداث معاصرة،عناوين تحمل في طياتها جزءاًً مهماً من الفكرة مثل (تفاحة حواء ـ على قبر كزنتزاكي ـ غاليانو ـ غرفة للقراء ). ‏

وفي النص المأخوذ منه عنوان الكتاب(جبل الزنابق) تقول : (سأقول للرجل الذي يحبني : إني أريد بيتاً من مرايا . تظهر عرافة عجوز، تضحك مني، تلوح بعصاها، فتصنع مرايا عملاقة. أقف في علبة المرايا عارية. ألمح وجهي في كل مكان. تختفي العجوز ذات القناع، فأضرب بيدي على المرايا : ‏

قلت لك: أريد مرايا فقط، ولا أريد سجناً من المرايا ‏

هذا ما أنت عليه رواياتك تعج بالمرايا ( ص63) ‏

من الواضح أن هناك خطاباً ذاتياً ونقدياً مفتوحاً على احتمالات الكاتبة في رؤيتها الشخصية لكتاباتها فهي صاحبة رواية «رائحة القرفة » ورواية « صلصال»، ولكن في أماكن أخرى تحتفي بأساطير المبدعين العالميين مثل سلفادور دالي، فهي تلتقي بساعاته الذائبة وتلعب في لوحاته بما يشبه الحياة، و بعيداً عن المنطق، تقفز هنا وهناك محولةً عالم الساعات إلى أراجيح، لتنقلنا إلى مرح حقيقي وخيال مصوّر بتفاصيل شائقة، لا ينقصه إلاّ أن ندخل إلى عوالمه ونعيشه كما الواقع تماماً، في نص بعنوان (الساعات تضحك) تقول :( ساعة ضخمة تتمايل مثل ساعات دالي، لكنها تغرق في ماء ينبت من عشب طويل ذي أوراق عريضة. أتأرجح بعقارب الساعة. وأمسك بعقرب الدقائق وأقفز إلى عقرب الثواني، ثم عقرب الساعات. أحمل بيدي مفتاحاً من فضة. مفتاحاً كبيراً، يتدلى من جرس. الجرس يرن كلما قفزتُ. تهتز الساعة، وتتحول المياه إلى أمواج عاتية، فتغرق الساعة مثل سفينة في عمق المياه، ثم تطفو ثانية. تظهر ساعة صغيرة، يلحق بعضها بعضاً. أقول لها : ‏

لا أحب الساعات. سأحول ساعات العالم إلى أراجيح. لا أريد النظر على الساعة. على الزمن ألاّ يمر أمامي مباشرةً …) ص 81 ‏

تقف سمر يزبك في كتابها(جبل الزنابق) على حياد المتعة واللعب بالتكنيك المعنوي لأكثر الصور، فالحوارات قصيرة، وتركيزها الأكبر على تجسيد الحالة الصورية للمنام المتخيل، أو للمنام الذي حلمت به كما تقول، فبدائل الحالة الفنية هنا لا يمكن تغييرها، ثمة شاعرية نبضية، وأفق متسع كثيراً وأحلام مرحة وأخرى حزينة، في الذاكرة، ومن تنبئها في المستقبل، فتلك الرؤيا الأنيقة لزخم اللغة كفيل بتوصيل أكثر نصوصها إلى حالة التصوف الخيالي، بالرغم من بساطة التراكيب ودقة التفاصيل في جمع مكونات مشهد بصري حقيقي «ثيمته» الموسيقا والخيال الخصب المتفتح على ألق الكلمة الجديدة والعبارة المغرية . ‏

الكتاب : جبل الزنابق ـ نصوص ‏

المؤلفة : سمر يزبك ‏

الناشر دار المدى 2008 دمشق

الأعمال الشعرية الكاملة من الفرنسية مباشرة لـ «رينر ماريا ريلكه»

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الثلاثاء 19 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ

يبدو الدخول إلى عالم ريلكه من لغة مختلفة عن لغته الأصلية (الألمانية) محفوفاً بالخوف جراء الإصابة بخيبة انخفاض الحرارة الشعرية الخاصة.
ولكن بعد قراءة أعماله الشعرية المكتوبة بالفرنسية مباشرةً بترجمة شاكر لعيبي الصادرة عن (دار المدى ـ دمشق- بـ470 صفحة قطع متوسط) ستكون مغامرة السقوط في وديان ريلكه الفرنسية تجربة مغرية تؤكد براعة هذا الشاعر وتنوع تجربته، بالكاد تخرج من كوكب ليخطفك نجم لاسع تسرّب للتو من عنوان قصيدة أو صرخة تصدرها أهازيج ريلكه في أعمال مدهشة يناسبها وصف مختصر و واقعي هو أن هذا الشعر من العيار الثقيل.. جمالياً وإنسانياً! ‏
أمّا في فصل آخر بعنوان «تتمات مختصرة» يأتي ريلكه على تفاصيل الموت بمداعبة وتهكم، كما لو أن أبسط كائن بشري في الأرض «الطفل» قادر على فعل الموت بغريزة بشعة: (انظر إلى سبابة الطفل وإبهامه/ هاته الكماشة الرقيقة/ التي يندهش منها حتى الخبز/ هذه اليد بالغة الطيبة/ ربما قتلت الطائر/ واقشعرت من رجفته الأخيرة) كما يستذكر ريلكه في نص آخر حادث وفاة أمه، راثياً الحياة وغرور أبيه، رغم أن صديقاته في الكنيسة رددن مواسياتٍ إياه: (إنها الحياة) فيجيبهم ريلكه بأغنية يتيمة: (لا مساء من أمسياتي/ يجلب لي شيئاً:/ حناناً يستعجلني/ حلماً، وردةً/ لا أجرؤ أن أؤمن أنها الحياة). ‏
يحضر الرسم بقوة في شعر ريلكه، لتبدو قصيدته عصيان لضربات اللون التجريدي، فهو رسام بارع بالكلمات، يجتذب التشكيل خطوة بخطوة ويفاجئنا بسكبه علب الألوان الشعري فوق قماش أرواحنا بعد إذن النشوة والصمت: (الأكذوبة، لعبة نكسرها/ حديقة نغير فيها أماكننا من أجل/ الاختفاء بطريقة فضلى:/ أو نطلق مراتٍ صرخةً/ لكي تغدو نصفين اثنين) ‏
يقدم ريلكه فرائضه الحنون إزاء فرنسا ضمن فصل يجسد أفعالاً اعتيادية كتصوير تفاصيل المتاحف والآثار و السقوط تحت وطأة النعاس وفي بلاد غير بلاده، حيث يرجو النوم المسمّى هنا الموت المؤقت أن يرعى أنثاه القابعة في داخله: (أيها النعاس العذب، لا تجعلني أحلم/ وأخلط فيَّ ضحكي وبكائي/ دعني ملتبساً لكي لا تُخْرِج حواء القابعة في داخلي/ بناريتها العدوانية من ضلعي) و قبل أن يستيقظ بلحظات يخاطب سمكة مجنحة على هيئة حصان مدخلاً حالته النفسية مع التكوين المادي لما يراه من فن العمارة في أحد قصور فرنسا في منامه، يخاطب الحصان المجنح، الحياة في تمثال رخامي فاخر، كما لو أنه حصان السماوات الخرافي مصوراً في قصيدة.! ‏
معظم شعر ريلكه الذي استعرضناه في تلك النماذج يتجه في باطنه إلى مفهوم فلسفي إنساني كما في باقي النصوص، لكنه بلا تقاليد نظرية جامدة، مادته ودلائله الشعرية مأخوذة من صلب الحياة المعيشة على الأرض تماماً، لذا برغم بُعد موطن الشاعر عن عيوننا لكنه يبدو برسمه على الشعر منتمياً إلى هواجسه بتفاصيل وأمكنة وذكريات تكفل الشاعر بأن يكون مختلفاً عن باقي مخلوقات الأرض، فعندما يتحدث عن «إيروس» يفككه كأنه شعاع شهوات عليه أن يغطي الأجساد ويأمر القلوب بأفعال الحب نجدنا انصعنا لمشيئة اللغة وبساطة العبارة: (ليكن قلبك شعاعاً وأكبر من الطبيعة/ التواقة لمزيد من الاتساع) نصوص ريلكه الفرنسية المترجمة حديثاً تقدم هذا الشاعر الألماني المؤثر في قصيدة النثر العربية كأيقونة مسجلة لمدارس شعرية عديدة في الشعر العربي، ولكن ما يميزه هنا الانتماء الحقيقي إلى التفاصيل والمكان وهذا ما يطبع الأعمال بخلاصة التجربة الفرنسية التي اعتبرها كبار نقاد العالم أنها مغامرة ريلكة الكبرى في الشعر.. ‏

دراما السواد والهموم

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 6 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ
لم تفارق طول الموسم الحالي صورة الوجع الحياتي التي كشفت في المجتمع جوانب غائبة وحساسة، حيث اغتنم أصحاب الكار الفرصة النادرة للتوغل في بيئة.
ما دون الدخل الاقتصادي أو الوسط خلال مقاربة بصرية تسلط الضوء على خط الفقر المنتشر على أطراف المدينة ومنعطفات شبه الريف المحلي، لتظهر أمام عيوننا عبارة عن كلاكيت موحد بخصائص فنية ترصد هموم تلك الطبقات المتدنية اقتصادياً من المجتمع، فكان هناك الكثير من الثغرات المعرفية في تفسير الوجع وطرح المعالجة المنطقية المرجوة.. ‏
سوف نعبر أوائل حلقات مسلسلات البيئة المعاصرة، لنلتقط نقطة بدء التصعيد الدرامي لشخوص الأعمال ونحاول ربط الأحداث مع بعضها لإيجاد لمسة فنية في تشخيص المشهد ونقله من الواقع إلى التنكيك الدرامي المختلف والجديد، إلا أن نسبة تحقيق الرؤيا والكشف عن مخاض المشكلة كان متعثرا للغاية، حيث بدأت المسلسلات في منتصفها عند أعلى حد تصويري لنمو الشخصيات درامياً، ثم لينخفض الخط البياني للقدرة الإبداعية في إكمال خاتمة المشهد أثناء الحلقات الأخيرة، لنستنتج صورة معطوبة لرصد الهموم الحياتية وتفكيك طبيعتها الايديولوجية ومن ثم تقديمها نتاجاً بصرياً عليه أن يحقق معايير الاختلاف وبالمكاشفة الحديثة. ‏
سرعان ما رأت كاميرا العشوائيات صداها منذ أعوام فراحت تتناسل باستهلاكية غريبة تدل على شحّ فكري لدى بعض كتاب الدراما السورية، التيمة موحدة والقصص إما أن تتداخل في طرق شائكة ومشوشة حتى تصل إلى المشاهد، أو أن تشتغل بنكهة مختصرة على قصة واحدة ترتبط بشخوص تسيطر على طاقم بطولة العمل ورسم أحداثه دون أن يتدخل أي فرد خارجي قد يغير في بنية العمل، وهذه الأخيرة باتت أثناء هذا الموسم تعيش خلخلة أدبية واضحة باستثناء مسلسلين أو ثلاثة. ‏
لقد دخل الأكشن السوري إلى الشاشة الصغيرة وفعل تأثيره العاطفي بأصحاب الذائقة العاطفية، ليعبر فوق القيم الثقافية والحاجة المعرفية، وهكذا ازدادت طباع الأكشن بالاعتماد على تطور أحداث خيالية أحياناً تظهر كأفلمات مزورة عن الحقيقة، مختلطاً بذلك التجسيد الدرامي مع إغراء الصورة وجرعات التشويق الحركية التي تحملها. ‏
لم يعد الحوار المجدي النابع من سوية فكرية مثقفة بمخزون غني من الاختلاف والتنوع قريباً من قريحة أصحاب الكار، فقد اختلطت القصص والقضايا الاجتماعية الحساسة كالشذوذ الجنسي بذهن المشاهد لتعبر ذلك جرأة مسجلة لمصلحة التطور الثقافي، ولكن تم تناول تلك القضايا بفجاجة مفرطة ومباشرة مكرورة كلاسيكية وشبه إنشائية، بسبب غياب الضبط السليم والمحكم للسيناريو والتقاط الفكرة، لقد ظهرت ثغرات لا تغتفر في خواتم الحلقات الأخيرة من المسلسلات لتترك المشاهد برسم الحيرة والأسئلة المغلقة. ‏
دراما السواد بامتياز.. هكذا تسجل الأعمال السورية في رصيدها التاريخي الطويل، بلا ضحك ولا حتى أمل مبشر مضت معظم المسلسلات إلى الحلول المسدودة، وجعلت من الذائقة مستهلكاً بارعاً للكآبة والخوف، غاب الضحك واللقطات المرحة وصار الحزن سمة عامة توقع وتبصم على الرؤية التحليلية التي يعيشها المجتمع، ألسنا بحاجة إلى كمية من الضحك توازي تلك السيرنكات المركزة من التعب والتلاشي على عتبات الضعف؟ أليس من حقنا أن تكون لنا دراما ولو خيالية تبتكر طقساً جديداً للفرح والنسيان؟ أم أن حفلات التفاؤل لم تعد تخطر على بال ثقافتنا البصرية إطلاقاً؟! ‏
إن المخيف في الأمر أن تتسلل حمى السواد النفسي للذائقة ونتحول إلى مجرد تماثيل تمارس طقوس عزائها احتفالاً بالموت؟ ‏
في الموسم القادم ربما ستختلف اللعبة قليلاً، فرهان الكوميديا قائم كثغرة مرت بوضوح هذا العام، هو محور حساس قد يلعب في تأسيسه عاملان حتميان هما: التميز والاختلاف حيث سيقومان على قابلية الناس في تلقي أعمال جديدة عن الفرح والضحك بأقل هرج ممكن وتكرار محتمل. ‏
لن نقول: إن الهموم حرف علة ساقط في لغة الصورة، إنما الإكثار من تلك الأوجاع يفرض رؤية غير واضحة لتكريس تلك الهموم كعادة لا كقضية علينا معالجتها بأقل اقتصاد درامي ممكن وبأقصى تجسيد فني مختلف وحرفي. ‏

مجموعة الجار الثامن لحكيم مرزوقي ..حوافز النسيان دمشق

قياسي

صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
السبت 2 كانون الثاني 2009
عمر الشيخ

عبر عالم مملوء بالهبوب الحزين والرقص مع العزلة تقوم اللغة السردية الرشيقة بقنص الصورة الشعرية الطاغية على نصوص مجموعة «الجار الثامن» للكاتب والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي.
الذي يملك رصيداً مهماً في المسرح السوري، وهو الآن يقدم نصوصه الشعرية الأولى كما سمّاها في مجموعة مستقلة صدرت حديثاً عن دار كنعان في دمشق، حيث يخوض مرزوقي حواريات شعرية مع الذات والأقدار والذكريات ليفشي في لمع غبار كتلاً سحرية مجسدة في لغة ذكية تذهب نحو المجاز والمفارقة الصادمة، وهكذا تبدو الدنيا بعيني مرزوقي عالماً غير مناسب للجنون وهو باسم مئات الكائنات البشرية الوحيدة ليس راضياً عن هذا الصمت (لست راضياً عن رضاي وغضبي وسكوتي/ من قال: إن السكوت علامة الرضاء؟/ ما علامة الغضب؟ لعله السكوت أو الرضاء في كل الأحوال أنا لست راضياً).


يتهكم الشاعر بطريقة لا تخلو من خفة الدم والألم في آن، ويقلب لنا صورة أحلامه المستمرة بالخلاص فهو يتمنى ألا يملك رأسه الذي طفح بالكتب والمسرحيات والأمنيات، ويتمنى لو أن غيره امتلك رأسه ليرعاه ويعتني به كما يقول : (ليت رأسي سقط سهواً في بلاد بعيدة /كي يعثر عليه أحد سواي فيربكه بواجب التغسيل والحلاقة والتفكير والسمع والبصر والصلع والشقيقة كل يوم) إن هذه المرحلة التي وصل إليها مرزوقي من الخطايا تضعنا أمام حل جنوني للأمنيات الذاتية بتغيير رأسه و اختيار العقل الذي نريده من خزانة المعجزات.. ‏
يحاول الشاعر في مجمل نصوصه العبث مع الوحشة الكبيرة التي تضعه برسم الأرصفة و أجوائها الشعرية البعيدة عن جرافة الشارع و الأحداث الرائجة في الحياة، يعيش شعراً ويموت بلا أحد وبلا أي ورثة يختصمون من أجل هواجسه وأحلامه: (يموت الشاعر فلا يختصم الورثة../ يموت الشاعر وتستمر المطابع في رجم عمالها بالحبر والأوراق/ يموت الشاعر ويستمر العشاق في عشقهم لكن دون مواساة/ دون راعٍ يحرس وحدتهم). ‏
تثير مدن الشمال في نفس حكيم مرزوقي بعض البورتريهات الشعرية، ليرسم لنا لقطات رطبة من المتعة البصرية وردّات الفعل النفسية التي تتركها ترك المدن يقول عن نفسه حين رأى روما أنها (مدينة الجنون الممتع والتطرف في الملذات/ وكأنها تسخر من تاريخها و أوابدها وتتآمر على قياصرتها/ أمشي فيها كقرطاجي أسير ومهزوم بفتنتها و أتساءل (كيف وجد أجداد هؤلاء الوقت الكافي للنحت و المعمار والحروب)؟ ‏
الحب في عيده اليومي كما يراه شاعر الأرصفة هو فعل تام للحياة وتناغم يهندس أحوال النصيب مع بائعيه، وزكريا بائع اليابصيب الذي يشبه مرزوقي في بيع الحظوظ شعراً للناس الوحيدين على خارطة الخطايا والانتظار يردد لجميلة عابرة في الحزن (يا جائزة المليون المحرومة يا رقماً تستريح فوقه دواليبي المتعبة/ هل تقبلين بي بطاقة رابحة كلما دارت بنا دواليب الزمن) أمّا أبو فريد السائق الذي ترك أثره على نصوص الشاعر بتوقيع مرح وهو يهدي زوجته قصيدة الحب التطبيقية : (يا وقود حياتي، يا مقودي الذي لم يفلت من بيت يدي../ يا مكبحي في ساعات الخطر../ يا معينتي على حفر الطريق/ لم تكوني لي يوماً دولاباً منفّساً أو صافرة شرطي) ‏
هكذا بمفردات بسيطة ومفارقات مدهشة يقدم حكيم مرزوقي نصوصه المغموسة بماء الشعر والتي لا تزال تسرّب ذهولها إلى أعماقنا و حقيقة عدم اكتراثها بفوضى الزمن والعراك اليومي للترف، هي نصوص ذكية تخلصت من الأيديولوجية وسلخت عنها رداء النزعة التقليدية لقصيدة النثرية من شكل ومضمون يومي صرف، هذه القصائد بين يدينا طليقة وحرة كما صدقها وشفافيتها تعبث بالوحشة وتحفز على نسيان الألم رغم رحيل الأحبة: (كلهم يرحلون حتى الذين زودتهم بأقدام كي يسروا إلي) ‏

المُساعد جميل

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 16 كانون الأول 2009
عمر الشيخ

لم يفارق مسدس الكبسون البلاستيكي نشأة ذاك الطفل الذي اقتحم حياتنا على هيئة صوت يدافع عن الحق باستمرار، في الأعياد والمناسبات والعطل أيام الطفولة والصبا كان همه أن يصبح مساعداً في حكم العدالة، أن يقبض على المذنب، وأن يتولى الحفاظ على تطبيق القانون كثقافة حياة للخلاص من الأشرار واللصوص، وبعد سنوات من التعب والدراسة والتمثيل نجح في رسم اسمه كالعلم بكل عنفوانه ورهبته هكذا.. المساعد جميل!
لقد تعود السوريون كل يوم ثلاثاء بلا انقطاع للاستماع إلى مسلسل حكم العدالة، الذي ترافقه تلك الموسيقا المرعبة والمشوقة، واسم مؤلفه المعروف الأستاذ هائل اليوسفي ومخرجه الذي حفر اسمه في باطن ذاكرتنا الأستاذ محمد عنقا.. هكذا مع صدى المذيع وهو يشدد على الأسماء ويعطيها امتداداً صوتياً مذهلاً يصيبنا بالفزع والانتظار، تلك الطقوس المسلية القادمة من قصص واقعية وأخرى خيالية معبرةً عن قضايا اجتماعية وإشكالات معاصرة تصيب المجتمع السوري على كل المستويات.

والمساعد جميل هو العنصر الأساسي والنجم اللافت جداً الذي يؤدي دور الشخص المحب للحق والمدافع المثالي عن العدالة حتى الموت، ومن المعروف أن روايات أجاثا كريستي لم تفارق مخيلة وباطن عقل المساعد جميل أيام الدراسة، وحتى بعد أن أصبح مساعداً في حكم العدالة، بقي هذا الرجل العصامي الذي يحبه كل الناس يتمتع بصوت بوليسي خاص ينم عن تحذير صارم للمخالفين للعدالة والمتعدين على حياة الآخرين. ‏
كما يُعتقد أن رنين صوت المساعد جميل يدل على شخص ضخم رغم أننا كنا نشاهده يخرج من مبنى الإذاعة والتلفزيون في دمشق بقامته الناعمة المرحة ونحوله الذي يدل على حكمة وحنكة طويلة في تجارب حكم العدالة، وهكذا بدا لنا المساعد جميل سمة أساسية لا بد أن تظهر في ذاك المسلسل الإذاعي المشهور، وحتى الآن لم نسأل أنفسنا ترى ما هي ثقافة المساعد جميل الذي أتقن بجبروته الفني أداء دور مهم وحساس وإعطاء صوت ملائم للشخصية المثيرة؟ ‏
يقال إنه عندما كان فتىً مغامراً راح يتابع بنهم مسلسل (روبن هود) الفارس الذي يدافع عن أهل قريته المظلومة ضد (اللورد ألواين) المتغطرس الشرير الذي لا يلتزم بالقانون، إضافة إلى مشاهد من (زورو) في نسخة أنيميشن، كما أنه لا يتوانى عن تقصي آخر خرائط كشف ألغاز الجرائم والقضايا المعقدة عند المحقق (كونان) صاحب جهاز تقليد الأصوات الرهيب جداً المقيم في كوكب أكشن كوكب التحدي والغموض على سبيستون!! ‏
أمّا الآن أثناء التحضيرات النهائية لحلقة جديدة من حكم العدالة يجلس المساعد جميل لمتابعة حلقة كاملة من (طمطوم وأبطال الروضة الخضراء) ليلتقط من الحكيم (خوخة) حكمة اليوم، ثم ينطلق إلى تسجيل دوره في حكم العدالة الذي يعدّ جزءاً مهماً من ثقافة السورين السمعية ومن ثم يترك للخيال حرية وضع لمساته الأخيرة على شخصيات تلك الأصوات، وبعدها أين ما كنت في السيرفيس أو في العمل او في البيت أو في أي بقعة من الوطن يمكنك ظهيرة أي يوم الثلاثاء أن تستمع إلى مسلسل حكم العدالة على أثير إذاعة دمشق، ذاك المسلسل بموسيقاه الخاصة جداً ومواضيعه البوليسية الممتعة التي أثبتت نجاحاً ملحوظاً منذ سنوات طويلة، وبرفقة المساعد جميل شخصية الأسئلة الذكية والقفشات الخطيرة المخبأة خلف نبرات صوت غريبة وعجيبة يمكن أن يصبح اليوم أكثر إثارة وأكشن سمعي!! ‏
المساعد جميل.. الآن هو الممثل (أحمد مللي) وسابقاً عدة نجوم مروا على هذا الدور الأساسي في حياة حكم العدالة…. من المستحيل تصور غياب هذا العنصر الهام.. لذا نقول (ألله يطول عمرك) وتبقى مساعداً وجميلاً أيضاً!

فيلم «نصف ملغ نيكوتين»:عندما يكون الشّعر لغة السينما

قياسي

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 9 كانون الأول 2009
عمر الشيخ

يقدم فيلم (نصف ملغ نيكوتين) بتوقيع مخرجه وكاتبه السوري محمد عبد العزيز، تصويراً قاسياً لعالم الهامشيين ومسببات خطاياهم التي تكلفهم حياتهم في كثير من الأحيان.
حيث يسرد بلغة الفلاش باك بعض القصص الرمزية لشخوص من مختلف الأعمار والاهتمامات، ليدخلنا إلى تفاصيل بصرية تقود المشهد بأشد تعبيرية شعرية ممكنة متخذاً من صيغة الصورة تتكلم بقوة رافعة مدهشة لضبط قدرات الفيلم الفنية، بداية من المراهق زين الذي يعمل (ماسح أحذية) في شوارع دمشق يدخن بنهم ويتسكع مع صديقته الصغيرة فرح بائعة البوالين لتظهر لنا عوالم الأرصفة وما تحمله من خفايا لنزلائها، زين..الذي يحلم أن يصبح طياراً طموحاته لا تزال النابعة من أدوات تلميع أحذية الناس بكل الفئات الطبقية، يشاكس على أسطح البنايات بمرح، ويرسم أسماكاً للحب واللهو المرح.


نادين.. المرأة التي سيمتلئ منزلها العربي بعد شيخوختها بمئات التفاحات الموقعة باسم رمزي هو(تفاحة آدم) دليل استنزافها للرمق الأخير من أنوثتها في سبيل الانتقام، زين ونادين توصيف حقيقي لحالات الموت البطيء التي يعيشها الناس البسطاء فهما يسردان لبعضهما حكاية العابرين في الحياة الطارئة، هكذا تكمل الحكاية ريثما لتكشف لنا قصة الشيخ الذي يتحدث عنه زين بأنه يطير من جامع لآخر ويشاهد أجساماً نورانية كرمز على تقديس هذه النماذج في المجتمع رغم كل نفاقها، هذا المتصوف الذي أراد أن يرسم الذي رسمه ولكنه أصيب بالعمى التام، لكنه حاول أن يمنح البصيرة لابنته العاشقة أروى ذات النقاب المحتشم والقلب الرقيق ومحاولة إخراجها بطريقة شبه معاصرة من نيران حبّ الرسّام المسيحي كمال الذي التقاها مصادفة منذ سنتين على درج من حواري دمشق، يتعرف على والدها ويأخذه يومياً على مدى سنتين أثناء مواعيد الصلاة من وإلى البيت ليتحدث بحجته إلى حبيبته أروى سراً، هؤلاء الثلاثة (الشيخ وابنته أروى والرسّام كمال) تربطهم حكاية تفاهم الأديان وصعوبة الوقوف إلى جانب مفارقة الزواج لعاشقين من دينين مختلفين يحملان في روحيهما مصداقية رهيبة للحب العذري، ‏
شخوص الفيلم تربطها أحداث درامية غريبة و مختلفة تعتمد التصعيد والمكاشفة لأحوال التبدل الاجتماعي الذي يطرأ على ثيمة الشخصية من تأثيرات نفسية ضاغطة أو حوادث قدرية مفاجئة تعدم الإجابة عن أكثر المحاور الإشكالية لفكرة الفيلم، وتقدم تفنيداً نهائياً لأحوال أولئك المظلومين الذين يدخنون بهوس الموت التدريجي ولو بنصف ملغ نيكوتين فوري.. ‏
نادراً ما تقدم السينما السورية رصداً فكرياً لرؤيا معينة بمفردات الواقعية السحرية ذات النطاق الشعري الموصول بتقنيات بصرية معاصرة ومختلفة، وعليه فإن القيام بمثل هذه التجربة يحتاج إلى أرضية ثقافية مكونة من تراكم تاريخي منقلب على اللوغوهات الثابتة للموسيقا والنص السينمائي والعدسة المدهشة لتقديم شريط بصري مملوء بالتفاصيل الجمالية التي تستفيد من اتساع الشاشة السينمائية بأسلوب رمزي يعتمد الخطاب الذهني والباطن الإنساني المتقد بحرارة الروح، والصورة هنا عامل تحريضي للكشف والبحث عن المغزى الإنساني لحشر كل تلك التفاصيل بلقطة عمرها أجزاء من الثانية.. ‏
هذا ما يحيلنا إلى طرح سؤال: هل يستطيع شعر الومضة أن يصنع سينما؟ أعتقد ذلك لأن الصورة الشعرية المعاصرة عندما تصبح حاملاً أساسياً لدلالات الهموم الاجتماعية التي تتعارك في قاع إيديولوجي متخبّط، هذه الرمزية التي تلعب في شرح تفاصيل الحكايات دوراً أساسياً يضم خيط التماسك الصوري ويقودنا إلى مكاشفة نهائية للأسئلة الصعبة التي تطرحها الحياة على عاتق أبسط تفاصيلها وأقل سكانها حظاً وسعادة، وعليه فهذه المحاولة للدخول إلى تلك العوالم المخيفة لتلك النماذج إذاً هي أحلامهم في الحصول على حياة حرة خالية من هواء الحزن ودخان الكوابيس، و الشعر البصري المصوّر بالمشاهد الطويلة المحمولة على موسيقا تصويرية تستفز العاطفة يجسد تلك الهواجس بأقل تكلفة للمنتج المستهلك بصرياً في السينما السورية. ‏
إذاً هاهو المخرج محمد عبد العزيز يقدم رهاناً جديداً على سينما مختلفة بلمسات الشباب، ويترك جملة مفارقات برسم النص البصري ذي الملامح الشعرية الجديدة، الفيلم من بطولة: (خالد تاجا- مي سكاف- عبد الفتاح مزين- زين حمدان- سهاد الصاري- رهام عزيز) ‏