الأرشيف الشهري: فبراير 2012

الشاعر السوري عمر الشيخ: قصيدة النثر تمثلني … ومن نقدني شتمني

الشاعر السوري عمر الشيخ: قصيدة النثر تمثلني … ومن نقدني شتمني

سورية – زياد ميمان
وكالة أنباء الشعر العربي
————————————
هو شاعر رسمت كلماته بجهد وتعب، من حبه للشعر أحب الصحافة والكتابة فقلمه ناقد شاعر لكن النقد لم ينصفه، يكتب في كل الأوقات لا يعرف الإبداع عنده لحظة معينة، إنه الشاعر السوري الشاب عمر الشيخ الذي كان لنا معه هذا الحوار ..

- متى بدأت الكتابة؟
سؤال عصي قليلاً على التذكر، لأن التأهب للكتابة هو انتظار أيضاً، لعل القراءة أولاً هي من حرضني على الكتابة، البحث عن دور خاص بي ألعبه في هذه الحياة أيضاً فتح أمامي بوابة لأن أكون ما أريد، تعلمت المهن الإلكترونية ودرستها حتى مراحل متوسطة، ولكني لم أجد منفذاً لروحي من خلالها، منذ كان عمر 13 سنة ولعبة الكتابة تراودني بقيت أنتظر حتى تجاوزت المرحلة الثانوية لأبدأ بالكتابة بشكل جدي أي في التاسعة عشرة من عمري. دائماً كنت أشعر بحاجة شديدة لأن أتلمس روحي، في محاكاة المحيط الاجتماعي للذات، كان ثمة عزلة مفاجأة تصيب المراهق ذا الثلاثة عشر عاماً.. لم يكن أمامه من خيار سوى أن يقول روحه، ولكن هل هو بحاجة لأن يصوغ هذا القول؟ كنت أنا ذاك المراهق، فبدأت البحث عن ما يخصني، كيف السبيل لتناول هذه الطاقة الكامنة بشكل كامل؟ قرأت لأشحن مخيلتي، قرأت عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني وعمر الخيام وريلكه ورامبو هكذا بدأت أكتشف كتابي الخاصين بعيداً عن الأسماء الرائجة في المكتبات، بدأت أجد في العاصمة دمشق أوكاراً جميلة لاصطياد الكتب التي لم يكتشفها أحد بعد، وبالتالي بالبحث عن اللغة التي تحاول أن تكشفني، لم أمتلك قدرة على قول المطولات، فكانت الصورة تلاحقني أينما أكون، في حصص الفيزياء ودروس الرسم الصناعي في الثانوية، في مخابر الفيديو أيام المعهد الصناعي وفي دروبي الصغيرة التي أسيرها وحدي في غرفتي وفي الأمكنة التي رتقت ذاكرتي بالجمال والمرح، حيث أحمض أفلامي الخاصة و أمنتج ما استطعت من مخيلتي لأتواصل مع الكون عبر جواز سفري الجديد الذي منحتني إياه روحي وهو الشعر.. لم أكتشف أني أستطيع صياغة التفاصيل بلغة شعرية حرة إلا بعد طباعة (سمّ بارد) كانت التجربة جدية للغاية، حاولت أن أنتمي لذاتي أن أشبه عبثي ولعبي وصوري الشخصية.

- بما أنك تمارس مهنة الإعلام وأنت شاعر فهل تجد هناك انفصالاً بينهما أم أنك أحيانا تستخدم في كتابتك الإعلامية عبارات أدبية ؟
كثيراً ما أشكر الشعر لأنه أوصلنا إلى مهنة معينة، كنت أظن المستقبل سيكون بالنسبة لي قراءة وشعراً في فقر مقيت، ولكن الشعر أعطاني مفاتيح قراءة الأشياء، أي استطعت أن أشحذ أدواتي في الكتابة الصحفية من قاموس الشعر العظيم الذي يزداد مع القراءة والتواصل المهني مع الوسط الصحفي والأدب في بلدي، لا أجد أي تعارض بين الشعر والإعلام، فمن لقطات العمل الصحفي أجد نصي الشعري أحياناً، الشعر هو الحاضن اللغوي لمعظم ما أكتب، وقد أستعين أحياناً بنهج أكاديمي للعمل النقدي في حين كنت أتحدث عن فيلم أو مسرح أو كتاب، أستخدم شعريتي الخاصة كثيراً في القراءة التشكيلية وصياغة التحقيقات الاجتماعية، قاموسي الأدبي لا يتوقف عند تراكيب معينة طالما أن القراءة متواصلة لا مشكلة لدي مع النص الشعري أثناء الصحافة المكتوبة أو حتى المرئية.

- هناك من يصف قصيدة النثر أنها سبب أزمة الشعر فما رأيك بهذا الكلام ؟
لا أجد ذلك واقعياً، ليتحدث من يريد كما يشاء، التنظير للقصيدة الجديدة حرية مطلقة للشعراء، قد يجدونها خارج سياق الشعر وليس أزمة وحسب..! المشكلة أن هذا النص الشعري المسمّى (قصيدة النثر) ما هو إلا نتاج طبيعي لحالة التراكم المعرفية التي وصلت إليها الأجيال، فالنثر يواكب بقوة اللقطة المختلفة والعصرية، بينما تغرق قصيدة التفعيلة بسقف مقيت من الإيقاع والأغاني، أنا أرى الشعر لقطة، صورة، شريط سينمائي، أحياناً مجاز، وربما موسيقا في قليله ما يعجبني، قصيدة النثر تمثلني، وتشبهني، وتشبه جيلي، لكن ذلك لا يعني إهمال الإرث الشعري القديم أي الموزون وما شبهه، يجب المرور عليه وهضم ما تيسر منه حتى يستطيع الشاعر أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، المسألة متعلقة بتطور اللغة، في الماضي كان للبلاغة مكانة وقوة، أما الآن كيف سأكون بليغاً (ثقيلاً) في زمن الفيس بوك والإنترنت والموبايل وعصر الجينز والوجبات الجاهزة والأقمار الصناعية؟؟ مواكب المحيط الاجتماعي حامل إنساني للشعر، ولا أجد إمكانية تكوين ذلك إلا في قصيدة النثر.

- بعد أن قدمت مجموعتين شعريتين هل قام النقد بدراستهما أم أن الموضوع اقتصر على مجاملات ؟
في الحقيقة هنالك دراستان أو أكثر تناولت ما كتبت في الشعر من خلال تحقيقات حول الكتابة الجديدة للشعر، بينما تفردت أكثر من مقالة صحفية في قراءة المجموعتين كل على حدة بشكل معقول، لم أجد ناقداً قاسياً، بينما وجدت ناقداً شاتماً وهذا لا أعتبره نقداً، لكن بالمحصلة كله يفيدني، تهمني آراء أصدقائي وأعدائي وقرائي، الجميع يهمونني، والنقد عليه أن يقرأ ما الجديد والفني والجمالي المختلف في النص، أو أن يفكك ما يمكن له تفكيكه بيانياً ومقارنته، لم أجد ما كتب حول مجموعتي الشعريتين كما أشتهي، كانت قراءات لطيفة وشعرية كمحاكاة لما أكتب لا أكثر ولا أقل…

- الحراك الشبابي الإبداعي ماذا يشكل هذا الحراك في مسيرة الأدب في سورية ؟
يشكل نسبة خجولة للغاية، هنالك حرص على إظهار الأناس (المدعومين) في كل مجالات الإبداع، نادراً ما يظهر اسم ما من خلال نتاجه، الأضواء في سورية هي التي تصنع الإبداع، ليس الإبداع نفسه، الشباب الشعراء مثلاً لا يجدون ملاذاً حاضناً لهم خارج نطاق المؤسسة الرسمية إلا (بالواسطة) هنالك بعض الصفحات الأسبوعية التي تكتشف بعض الأسماء الجيدة وهذا لا يكفي.. الشحّ في التواصل مع الأدب الشاب سببه الرئيسي هو عقم الدور الإداري في الهيكل الثقافي الرسمي أو الأهلي حتى، الدعم يوزع بالشخصنة في معظمه وهذا يولد رغبة لدى معظم الشعراء الشباب بالتوجه للمشاركة بجوائز عربية وغيرها لكي يجدوا دعماً حقيقياً ومنصفاً بحق ما يكتبون..

- نلاحظ ظهوراً كبيراً لشعراء شباب من كلا الجنسين علام يعتمد هذا الظهور وهل للعلاقات الشخصية دور في ذلك ؟وما هو دور النقد في ذلك ؟
أحياناً تلعب العلاقات الشخصية دوراً في ذلك، لكن لا أستطيع التعميم هنالك أسماء سورية من الشعراء الشباب من كلا الجنسين ظهرت بمجهودها، ونتاجها الأدبي هو الذي قدمها لكنها محاربة، لأن تكريس ثقافة التدجين ضمن المؤسسات الراعية لتلك المسائل مشغولة بتلميع صورتها أمام مرؤوسيها فقط، أي هي لا تعتبر اكتشاف الموهبة الجديدة هماً يقع على عاتقها، قد تنفع قريباً من هنا، أحداً تعرفه من هناك، لكنها مشغول بدعم الحيتان المسئولين عنهم فقط!!

أما بالنسبة للنقد، فهو قليل للغاية ولا يتناسب مع كميات الركام الورقي الذي تنتجه دور النشر سنوياً، لا يوجد مواكبة فعلية، هنالك بعض الأسماء اللامعة ربما يكتب عنها بشكل جدي، بينما يكتب الأصدقاء عن مجموعات بعضهم البعض كخدمة إعلانية وأحياناً كنقد موضوعي، وذلك أضف الإيمان ليستمر الشعر والنقد معاً..

- الشعر حالة خاصة متى يكتب عمر الشيخ وهل هناك وقت محدد للكتابة ؟
لحظة النص الشعري لا يمكن أن تلتقط ببوصلة، مرة على جدار الفيس بوك أرتجل شيئاً فيصبح قصيدة، ومرة على نوافذ المسنجر ألتقط مقطعاً ليكون فاتحة قصيدة أخرى، أحيانا تراودي منذ ساعات الصباح رغبة بالركض في الشوارع رغم كل هذه الضغوطات النفسية التي تعيشها مدينتي دمشق، لأكتب بعض أن أذوب من التعب.. أحياناً أخرى أكون في مهب زاويتي لأكتبها بشكل دوري للجريدة فتصبح الزاوية قصيدة..هكذا هي القصيدة مباغتة لا توقيت لها وتحب أن تطاردني في كل مكان، العالم مليء بالشعر لكننا لا نلتقط سوى القليل منه، ويبقى الأجمل والأميز متخفياً وراكضاً كمطلوب بتهمة الجنايات السحرية..!

- كيف ترى دعم المؤسسات الثقافية للأدباء الشباب ؟
لا يوجد دعم، أو بالأحرى لم أسمع به، ولكن هنالك بعض الشعراء المكرسين يعتنون بالشعراء الجدد، وربما يدفعون بهم لمؤسسة رسمية بغية دعمه، في سوريا ما لم يرشح الكبار الجدد لا يمكن أن يجدوا درباً للضوء، المؤسسة الرسمية تغط في نوم عميق، إن كنت تقصد اتحاد الكتاب العرب فهم مشغولون بالعجائز والغبار، أما وزارة الثقافية فهي تفتقد للكفاءات النوعية التي يمكن أن تلتقط الحساسيات الشعرية الجديدة، هنالك كما قلت لك بعض الصفحات التي تهتم بأدب الشباب كما في جريدة تشرين الرسمية التي خرج منها أسماء مهمة أتفاءل بها جداً من الشعراء الشباب والجدد..

- أرى الكثير من الشعراء خارج اتحاد الكتاب العرب ألا تفكرون في أن تنظموا جمعية أو رابطة تضم الأدباء الشباب ؟
شخصياً أحبذ ذلك خارج نطاق المؤسسة الرسمية، وذلك يحتاج لرعاية، وذلك كان ممكناً بمشروع بيت القصيد الذي استمر منذ عام 2007 حتى الآن، قبل أحداث آذار الماضي توقف لأسباب مجهولة، هنالك رغبة شديدة في البحث عن سورية جديدة ومختلفة لإقامة مثل هكذا مشاريع، وأسمع أصداء هنا وهنالك عن رغبات لكثير من الشباب بإقامة مثل هكذا منتدى أو رابطة براعية ذاتية ودعم محلي وشخصي، لتضم الأدباء الشباب والجدد أيضاً الذين ولودوا أدبياً في العقدين الأخيرين الماضيين.

- برأيك ما هو المطلوب من الشعر الآن ؟
شخصياً أكتب نصي الذي انقلب كلياً عما كان قبل الأحداث أي قبل عام تقريباً، الأمر اختلف كثيراً وهنالك روح جديدة تنتفض في الشعر والأدب والفن وهي بحاجة لمساحات وحريات كبرى لتظهر بكامل قوتها واختلافها، هنالك وثائق وصور وقصائد ويوميات واقعية كتبت من أرض الحدث، وأخرى كتبت على وقع الأخبار.. المطلوب من الشعر الآن ألا يقلع عنه رداء الجرأة والركض تحت النار للوصول إلى الإنسان، أن ينطلق من إنسانية هذا الإنسان من جرحه من فرحه من يومياته من أحلامه من أوجاعه من صمته من انفجاره، أن يكون النبوءة والحلم واللقطة الذكية والورقة العابرة بقوة فلاش الكاميرا وحدته وتميزه الفني..

والشاعر عمر الشيخ يعمل صحفياً ومعداً لبرامج ثقافية وصدرت له مجموعتان هما سم بارد ومتى أصبح خبرا عاجلاً

“انفصال نادر وسيمين” لأصغر فرهادي: يفضح تعقيدات المجتمع الإيراني

“انفصال نادر وسيمين” لأصغر فرهادي: يفضح تعقيدات المجتمع الإيراني

دمشق – عمر الشيخ
جريدة النهار
الثلاثاء 31-1-2012
عدد 24635

تحضر قوة الفكرة وجرأة توقيتها بالتوازي مع تفاصيل يومية لا يمكن أي شخص التقيد بها ما لم يكن من المواطنين الإيرانيين. هذا ما رأيناه في فيلم “انفصال نادر وسيمين”، للإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي الدولي.

تفاصيل يومية وحساسة في حياة أسرة مكوّنة من أب وأم ومراهقة وجد، تعيش ضمن ظروف المجتمع الإيراني، وتعاني التضييق الديني. بين الأب والأم تنال المشكلات نصيبها من الوقت إلى درجة عدم الاكتراث بمصير المراهقة، فيختار كل منهما طريقه بالانفصال وليس الطلاق!
ينطلق الشريط الذي عرض في تظاهرة “مهرجان المهرجانات” في دمشق من جلسة في المحكمة بين نادر وسيمين، يناقشان مبررات الطلاق الذي لم يتم. تعود سيمين إلى أهلها ويعود نادر إلى والده المصاب بالزهايمر وابنته تلميذة المدرسة، فيستقدم امرأة لتعمل في البيت وتراقب الوالد أثناء غيابه في العمل.
يتجه الفيلم نحو منعطفه الدرامي لحظة دخول الأب إلى المنزل في وقت لا يجد فيه المرأة المسؤولة عن رعاية والده المريض. هنا تبدأ الإشكالية في أن المرأة الحامل التي تعمل في المنزل تضطر لترك الجد المريض فترة زمنية تربطه خلالها بالسرير، إلا أنه يقع ويبدأ بالاحتضار. يصدم الرجل برؤية والده على الأرض، ويتزامن ذلك مع دخول العاملة المسؤولة عنه إلى المنزل لتوها. يغضب الرجل ويطرد العاملة من المنزل، التي تدّعي عليه بأنه ضربها وأجهضها فتدور جريمة قتل الجنين بين أخذ ورد ويصبح نادر مهدداً بالسجن.
يضعنا الفيلم أمام مكاشفة أخلاقية غاية في الصدقية بين الأب نادر وابنته التي تكتشف أنه كذب على المحقق بقوله إنه لا يعرف بقصة حمل العاملة.
الكذبة تربك تفاصيل حياته لكنه لا يستطيع التراجع عنها إلا أن كل دلائله الشخصية تقوده إلى أنه ليس هو المتسبب بالإجهاض، وهذا ما يتبين بشكل حقيقي في ما بعد عندما يطلب نادر من العاملة قبل أن يدفع لها الدية أن تقسم امام ابنته على القرآن الكريم بأنه سبب الإجهاض.
للوهلة الأولى تبدو قصة الفيلم بسيطة وذكية، لكن تطرقها الى الحال الإنسانية والصراع مع الصدق تجعل الهوة تزداد اتساعاً، إذ إن الطفلة التي تراقب كل شيء، تصدم والدها بأن تسأله لماذا لا يقول الحقيقة، فيخبرها أن مصيره السجن إن فعل ذلك، وبالتالي لن يبقى من معيل لها ولجدها المصاب بالزهايمر. الأم سيمين في جهة أخرى تحاول أن تقنع زوج العاملة بالمال ليسد ديونه ويحسّن وضع أسرته شرط أن يسقط الدعوى ضد زوجها نادر. يقبل زوج العاملة بالحل، لكن العاملة ترفض ذلك لأنه تتذكر أنها تعرضت لحادث سيارة وهي تحاول اللحاق بالجد الذي نزل الى الشارع كي يشتري جريدة، وهذا الأمر حدث قبل يوم من ذهابها الى الطبيب الذي جعلها تغيب عن رعاية الجد فحدث لها ما حدث من طرد واهانة واتهام بالسرقة.
ما يستفز العاملة، صورتها أمام ابنتها. فهي ليست مستهترة، ولم تسرق كما ادّعى الأب نادر، لكنه أرادت منه أن يعتذر فقط حين قررت وزوجها الادعاء عليه بسبب دفعها من أمام البيت في لحظة غضب.
النص هو الحامل الفني الأهم في الفيلم، بالإضافة إلى قدرة المخرج على إدارة شخصياته بخفة وتمكن، الأمر الذي ترك انطباعاً استثنائياً حول أهمية النص الدرامي السينمائي الذي يقترب من الناس وهمهم الحقيقي. السيناريو المكتمل إذاً، هو الذي لعب البطولة الأساسية في الفيلم، حيث تتكشف جملة من تناقضات الحياة اليومية التي تجبر الإنسان على تجاوز بعض القيم الأخلاقية مقابل الحفاظ على القيم الكبرى.
البناء المحكم للنص يجعل كل ما في الفيلم أداة يمكن استخدامها، فهو ينسج ببراعة خيوط الجريمة ويفكها بصورة مبررة وواضحة في السرد العام للفيلم الروائي الطويل الذي استطاع شد جمهور الصالة إليه حتى بعد انتهائه، حيث أبقى الخيار مفتوحاً أمام الإبنة هل تختار الحياة مع أمها أم والدها.

ألق الألم ورمزية الرفض في أعمال رسّام الكاريكاتور هاني عباس

ألق الألم ورمزية الرفض في أعمال رسّام الكاريكاتور هاني عباس

دمشق – عمر الشيخ

النهار اللبنانية

الأحد 19-شباط 2012

العدد24652

ينشغل رسّام الكاريكاتور السوري هاني عباس بالمشهد اليومي الأليم الغارق في الدم، عبر مجموعة رسوم منشورة في المواقع الإلكترونية وفي صفحته على الـ”فايسبوك”، محاولاً قول كلمته أمام عصف الفرز الراهن جراء ما يحدث من الاحتجاجات على طول البلاد وعرضها.

يحرص عباس على محاكاة الأمكنة والشخوص الرمزية عبر مقاربة تخيلية تضع فكرته في أشكال اعتيادية، مضيفاً إليها تفاصيل صادمة بعيداً من المباشرة، مستخدماً مفردات اللون كطرف مساعد في إيحاء الفكرة. نجد في كاريكاتور المدينة الرمادية “قبر رقم1”، مباني متراصة على ألمها، كما لو أنها مجسم عملاق ترتفع في آخر جدرانه شاهدة قبر ضخمة، في دلالة على موت كل شيء حقيقي تقريباً في المدينة. كأنه يصور وحشة الحجارة، والأجساد النحيلة المتخفية في ظل ذاك الموت. ربما هي دمشق الباردة أو ريفها الحزين أو صمت المدن الكبيرة الذي يخبئ للوجع موطئ قدم ما برح يصمم قبوراً على مقاسات القمع المتربص في كاريكاتور آخر لمجسم مكعب يحتوي على مجموعة نوافذ، تقيد أضواء أحجارها المتقاطعة، قضبان زنازين وبعض الأيادي تودع أحداً، أو تستغيث ألماً، أو تومئ الى اللّه بأن ثمة الكثير من التعب في عزلة طويلة مع الظلم.

حتى تفاصيل الحياة الصغيرة لا تغيب عن الكاريكاتور، إذ نلاحظ التهكم الفني في “ساعة رملية”، التفاتاً الى التقنين اليومي للكهرباء الذي يعاني منه السوريون، من خلال ساعة رملية، يحركها تناقص الضوء في سقوط ضيق ومؤرق يحمل في رمزيته تذمر الشارع من الضغط الذي يصبّ على نار الشوارع زيت المتاجرة بأعصاب الناس. في “دمى القلم” يفضح عباس مدى نفوذ السلطة في التحكم حتى بالآراء والخلق والكتابة التي لا تستحق كل هذه المراقبة المستمرة خوافاً من الأفكار الجديدة البناءة ومن التغيير الثقافي الذي قد يشعل فتيل التجديد.

في هذا الوقت، يرى عباس أنه لم يبقَ للمجتمع السوري الثائر إلا أن يتدفأ على قلوب أناسه، وهو إلى جانبهم وقود فني يتمثل في خزان صغير لمدفأة الوحشة على هيئة قلب أحمر قانٍ، لا يقطر دماً، إنما يشعل حباً من نبضه السوري الدّفاق على رغم وابل الرصاص الخائف من قوة هذه القلوب. هكذا يرى عباس الثورة الفكرية من خلال رسومه، يتوقف قليلاً، يمسح شيئاً “قاسياً”، كما يسميه، يخفف من حدة استفزاز الرقيب، ويرسم بحرية، وينشر كل شيء حرصاً على الوثائق التاريخية التي ألهمته المرحلة الراهنة كل مفرداتها وأفكارها وحرارتها الفنية المختلفة عن السائد من الصمت والتجاهل.

أما في كوكب الـ”فايسبوك” الافتراضي، فيصطاد هاني عباس سجالات سكان هذا الفضاء، فيرسم “صليب الـ”فايسبوك” وقد اعتلاه أحد رواده مصلوباً بمسامير على شكل الإشعارات التي يصدرها موقع التواصل الشهير، في محاولة لكشف الهشاشة الكبيرة التي يعيشها الناس في كل أنحاء العالم جراء فقدهم ثقافة الانتقاد. فهم إمّا يؤيدون رأيك، وإما يصلبونك إن خالفتهم، تماماً كما يحدث على الأرض الآن. من ناحية أخرى، يرى عباس أن للـ”فايسبوك” محاسن أيضاً في كشف باطن الكائنات من أفكار وتصورات وبوح خجول، ويتجلى ذلك في لوحة لأيقونة موقع التواصل الاجتماعي وقد برزت رؤوس سكانه من خلف الأيقونة على المساحة البيضاء لحرف f متشابهة في الأشكال، مختلفة في العمر والتجربة والعيون الحائرة.

مشروعه الأخير الذي يعمل عليه حالياً، مجموعة كبيرة من لوحات كاريكاتورية ترصد مواقف رمزية لعالم السمك في قاع البحر، في مقاربة تكشف عن وحشة البشر واستهتارهم بتلك الكائنات، من خلال نموذج السمكة التي تجاوزت كل صنارات الصيد ومضت بدمائها وسط البحر كرمز للحرية.

“باركنسون” للشاعر السوري زيد قطريب : شريط شعري في سرد القلق

“باركنسون” للشاعر السوري زيد قطريب : شريط شعري في سرد القلق

دمشق – عمر الشيخ

جريدة النهار اللبنانية

الثلاثاء 7شباط-2012

العدد24641

————————————–

نجد في مجموعة الشاعر السوري زيد قطريب (1968) الأولى “باركنسون” الصادرة حديثاً لدى “دار التكوين” الدمشقية (2012)، أن سردية التفاصيل تختلط مع بناء بصري لمجازات وتشابيه تقوم في منطقة الاشتغال على شكل خاص للهوية الانفعالية لرجل تجاوز الأربعين وبقي يحلم بالشعر في أشكاله ومدارسه وشعرائه وضحاياه.يذهب قطريب في اتجاه النص المفتوح على تلاحق الصور، متجاوزاً مسألة الإيقاع الموسيقي للغة والتناغم المتعالي للمفردات، ترتكز فكرة معظم نصوصه على حواريات بشكل رسائل يكتبها الى ذاته وأصدقائه وأهله، مفتشاً باستمرار عن العبارة الصادمة والمجاز الذكي، لاجئاً الى خيط حسي على طول قصيدته، لكأنها شريط قصير لذكرى لا تتوقف عن الحضور أو عتاب مغلف بالتعب أو ربما فاتورة قاسية لقبضة الشعر على حياته.

تتناوب مفارقات الصورة حتى تقترب من بعضها بالأسلوب واللغة، وتفترق أجواء الإيقاع الجمالي للعبارة الشعرية عند التنقل من مقطع الى آخر ضمن القصيدة الواحدة، حيث نتواصل مع المعنى الفني للقصيدة من أجزاء مختلفة ومكثفة: “لأجلك سوف أذوب في اليوم/ عشرات المرات،/ فاحتويني منذ اللحظة بكؤوسكِ،/ سوف نشرب بعضنا بنهمٍ/ قبل أن يقتلنا الظمأ!”. تتصاعد الصورة في تشبيه الحلم بمئات الصور وجعله كائناً حيّاً نورانياً مندفعاً خائفاً ممزقاً وحيداً يعيش تفاصيلنا وحطامنا كما نعيش كل يوم في دوامة تسمّى الأمل. تمتد محاولة الشاعر على مساحات وصفية لموضوعة الحلم، فنراه يكبر ويشاكس ويتنفس الصعداء، وأحياناً يتمنى أن يصبح أمراً واقعاً كي يشعر بالسعادة. إلباس الشعور الحسي ثياب البشر أو المحيط المادي، تفتح في النص باباً موارباً لرجفة الباركنسون، حيث تطوقنا القصيدة في تلقائيتها، وتقطعنا صداقة الأشياء بصمتها وقسوتها وثقلها المفضوح في مهب الكلمات: “الحلم رفيق مصاب بالضجر/ يقلب على ظهره من الضحك أحياناً/ ومرات يشعر أن الدنيا/ ضيقة مثل خرم الإبرة/ للحلم رائحة وعيون وأصابع نحيلة/ تلوح إذا ما شعرنا بالغربة والحزن/ ولأجل أن يمعن في الوفاء أكثر/ فإن الحلم يمتلك حلماً هو الآخر/ يكتبه في دفتر مذكراته/ أو يتصل معه على رقم الموبايل”.

يتعامل قطريب مع القصيدة كأنها لوحة زيتية هاربة من الملونات النثرية المفرطة بالتكلف، فلا يستند في بنائها التكنيكي على تقاطيع شكلية معينة، ولا يلتزم مخيلة منتمية لبلاغة القواميس وأحجية التعقيد.

يستمد مفرداته من قاموسه الصحافي الذي يعتمد على التهكم أحياناً والأسى الساخر أحياناً أخرى. يحاول قطريب بعد عشرين عاماً من التجريب أن يجد له منطقة خاصة في قصيدة النثر السورية الجديدة، وفي “باركنسون” يستقي من يومياته في العمل والطريق، حيث المكان مادة أولية لالتقاط النص: “تشبهك كثيراً تلك الوردة البنفسجية/ المائلة إلى الاصفرار/ ولا يشبهني شيء سوى إشارة المرور/ عند تقاطع مشفى المجتهد!”، و”لماذا لا يتحول مشروع دمر/ إلى بحيرة من النبيذ المز”، و”أزرع لأجلك/ مخيم فلسطين بأزهار الغاردينيا”. المكان إذاً هو بوصلة المخيلة.

فمشروع دمر الراقي العملاق الذي يقع قرب جبل قاسيون في وادٍ فاخر، يغرقه الشاعر بالنبيذ من أجل حبيبته، بينما يختار من مخيم فلسطين قرب دمشق مساحة كبرى لتكون حقلاً من الغاردينيا برغم أحزان اللاجئين المريرة. في الأمكنة تتنقل القصيدة من الصورة إلى جغرافيا الجسد للعودة قليلاً الى الوراء، حيث ضوء صغير يشير إلى أن القلب سيتحسن لو أرسل الشاعر الى حبيبته صيدليات العالم بالبريد الإلكتروني.

لغة “باركنسون”، على عكس معنى الديوان الذي يدل على يوميات راجفة متوترة خائفة، مشغولة بخوف المرة الأولى، كأن القصيدة تمارس لياقتها الشعرية تحت وطأة الخيال المستمر الذي يحرض به الشاعر متلقيه منذ اللحظة الأولى للقراءة: “سأكتب عن أفخاذ النساء الغريبات/ والمؤخرات التي تشبه الهضاب/ عن القبلة الشهية تحت المطر/ والمتوسطات ذات الأعضاء النافرة/ مثل حبات الكستناء/ سنتناول الغداء في الشينو/ ونشرب العرق المتصبب/ من الأثداء العامرة ثم نزرع راياتنا فوق النهود كأننا الجنود العائدون للتو/ هذا العالم يمطرني بالعيون الزرق/ فأجهش خلف أزرار الكيبورد/ أبحث عبثاً عن كبسة الـOk”.

لا تخلو المجموعة من تشابهات الصور وطريقة تركيبها، الأمر الذي يدل على أن الشاعر جمع تلك القصائد في لحظة “زهايمر” لا يعرف متى كتبت ولمن، ولا يريد أن يقف طويلاً عندها حتى لا يعود مرض الباركنسون الشعري المزلزل في أعماقه إلى صفحات الكتاب. لقد دوّنه ومضى، ولعله الآن يدندن في بيته في حي كفرسوسة العشوائي كل مساء عبر نوافذ المحادثة الإلكترونية: “أكره الطائفية كثيراً/ وأحب أكل البوظة/ والتنزه في الحدائق/ وأخذ جميع الناس بالأحضان”.

“الهوية” في “صالة الشعب” الدمشقية لمصورين هواة: أمكنة وطفولة وعابرون، لكن “بلا هوية”!

“الهوية” في “صالة الشعب” الدمشقية لمصورين هواة: أمكنة وطفولة وعابرون، لكن “بلا هوية”!

دمشق – عمر الشيخ

————————

تزاحمت الأضواء في تفاصيل الفراغ وهرعت العدسات تلتقط ما يحلو لها. احتفاءً بالفراغ تحاول الصور أن تترك انطباعاً لكن من دون جدوى! لعل هذا الوصف يناسب ما شاهدناه من أعمال معرض التصوير الضوئي الذي أقيم في “صالة الشعب” تحت عنوان “الهوية” لمجموعة من المصورين الهواة في رعاية وزارة الثقافة، نتيجة ورشة تعليمية في المعهد التقني للفنون التطبيقية في قلعة دمشق.

مجموعة كبيرة ساهمت في رسم تصور باطني للمصورين المشاركين عن التفاصيل الفكرية التي يمكن أن تدرج ضمن ما ينتمي الى الهوية، لكننا لم نعلم ما هي الهوية التي كانت الأعمال المعروضة تسعى الى إبرازها. فهي على رغم تخبطها التقني وضيق مفهومها المستهلك، نجدها تحتفي بالأمكنة من محاولات سابقة لرصد التفاصيل اليومية لحياة الناس وتعايشهم الاجتماعي مع المحيط. السؤال الأهم كيف لمجموعة من الهواة أن تتبنى موضوعاً ثقافياً شديد الخصوصية والأهمية كالهوية؟ وعلى اعتبار أن المحاولة يمكن أن تنجب استثناءً في خريطة التجريب، فقد تجاوزت المحاولات حدود الاختلاف بشكل عكسي، إذ تحولت نحو تقليد الرائج من الصور المألوفة من خلال تشريح التفاصيل، والغرق في شاغر ضوئي لا يخدم عناصر الصورة، ما يفقدها حيويتها وتركيزها الفني على المشهد الملتقط.انحصرت أفكار المعرض ضمن الأمكنة الدمشقية القديمة والجامع الأموي ومشاهد لقلعة دمشق وبعض الوجوه العابرة وشيء من الأعمال الزجاجية المتحركة، إلى مشاهد الأشجار الخريفية والأوراق المتساقطة قرب الأبواب المهجورة. لم ترتكز كل تلك التفاصيل على مفهوم الهوية كثقافة وحضارة وتراث معياري ينتمي إلى تاريخ عريق عمره آلاف السنوات، إلا إذا اعتبرنا أن الهواة اكتشفوا رؤيا مختلفة لتعريف الهوية لدحض ما نعرفه عن تلك الثقافة البصرية التي لا تختصرها ورشة تصوير عمرها بضعة أيام! كان في الإمكان أن تشتغل مجموعة المصورين على موضوع مناسب لحجم خبراتهم الفنية، لكن ما نتج سريعاً يزول سريعاً، خصوصاً في التصوير الضوئي الذي يحتاج الى عين فنية تشاهد كثيراً وتلتقط في توقيت ذكي يثير الدهشة بجماليته الخاصة.ربما هي لقطات سياحية للتعرف إلى النقاط المجهولة بالنسبة الى زوار دمشق، أو قد تجد لقطة صحافية لمتسول يجمع القمامة في خرابة عمرانية مخفية. أحياناً تلتقي بوجه طفلة تترك سرّها في أذن طفل ضمن صحن الجامع الأموي، وأحياناً أخرى تطل علينا عينا صبية من وراء لثامها ضمن كادر أثري لجامع قديم. في المحصلة تبقى تلك اللقطات مجرد فرجة يومية يمكن أن يلتقطها أي عابر لم يدرس المفاهيم الجمالية لتذوق اللقطة الدرامية التي تدل على ندرتها في لحظة توقف الزمن أمام عدسة المصور. بمعنى أدق، غابت ثقافة البحث والتمهل، وحضر التجريب المجاني ليترك لنا فيضاً من البوصلات الضائعة لعيون لا تعرف ماذا تريد!ليس انتقاصاً من شأن الهواة، لكن ثقافة التذوق البصري أو بالأحرى ثقافة البحث والمعرفة ضمن التخصص المراد العمل عليه لتقديمه في النهاية الى جمهور المتلقين، تتطلب تجارب واختبارات عميقة بخلاف المعروضات، التي تحتاج لغربلة للإمساك بخيط فكري يدل على خصوصية هذا المقترح بعيداً من نظرة النيات الحسنة. فنحن أمام محاكمة جدية لجيل من المصورين الشباب نأمل أن يعيدوا النظر في ما قدموه خوفاً على هوية تكاد تضيع في عدساتهم.

الرابط

http://www.annahar.com/article.php?t=adab&p=2&d=24617

النهار اللبنانية

الجمعة13-1-2012

العدد 24617

تأكيد الحطام..

تأكيد الحطام..

لا لا لست مكتئباً، ولا أفكر في نهاية العالم، على الرغم من أن صديقي علي سفر زيّن لي قلقي بنص عن موضوع نهاية العالم حين نقل هذا (أن البشر يتمتعون بإرادة حرة، وإن هناك فرصة للتغيير قد تؤدي إلى عالم أفضل) لا لا لست مكتئباً، على الرغم من أن بودلير اقتحم مزرعة روحي بأزهار الشر وأخبرني أن (إن قلبي يسير كالطبل المبحوح الذي يتجه إلى مقبرة معزولة بعيداً عن المدافن المشهورة وهو يقرع الأناشيد الجنائزية) لا لا لست مكتئباً أيها السادة فميلانكوليا كوكب سيخترق الأرض قريباً وسنرقص على حفل استقباله رقصة الموت على إيقاعات بيتهوفن..
لا لا لست كما يقال عن باقي خلق الله، مكتئبون، أنا متفائل إلى حد البكاء، وأستطيع أن أكتب عن الألم بنفس الطريقة التي سأكتب بها عن الفرح بعد حين، ولكني بكل الأحوال أنا لست مكتئباً، ويمكن للأزهار الطيبة أن تطلع قرب الأرصفة الموحشة هناك، حيث يرتجف الخوف من حماسة القلوب الجريئة، لا لا لست مكتئباً إلى هذه الدرجة المريضة، كل ما في الموضوع أن نهاية العالم اقتربت حسب تقويم حضارة المايا، وهنالك أسباب غير صالحة للنشر تختلط في طمأنينتي، لا لا يزعجني سرب الدبابير الذي يطلع في المشهد كلما فكرت أن أسرق لقطتي من الطرقات، لأن رسام الكاريكاتير صديقي هاني عباس أهداني دزينة من الجراح تكفي لهذا العالم ولألوانه المقفرة..
بينما تطفح عشوائيات بيتنا في مطارح السكون، أقرأ في غيوم الرماد فوق مدينتي: لا لا لست مكتئباً..! حتى تحولت إلى أغنية أرددها ممازحاً قلبي ووجه أصدقائي، من أين كل هذا الإحباط الذي يراود مخيلتنا وإيقاع وجعنا في الطرقات وعلى سرير النوم، لا لا لست مكتئباً يقول (اللابتوب) كذلك الأمر بالنسبة لصفحتي الشخصية في فيس بوك ليست مكتئبة، ولا صورة زميلي في الجريدة مكتئبة.. إطلاقاً لا أحد.. ولا شيء، ليس ثمة اكتئاب!
لا صديقي الذي يناوب على الإنترنت مكتئب، ولا جاره البعيد في ضواحي المجهول مكتئب، لا ماسح الأحذية في دروب العاصمة المرتبكة يظن أنه مكتئب، ولا خطوط الكهرباء تعتقد أنها سبب اكتئاب حين تنام لساعات طويلة دون حرارة، ولا وجه سائق التكاسي يفكر للحظة أنه نكد الحياة أو سبب اكتئاب حين يغلق العداد قائلاً (ما بتوفي معنا..).
مها سقنا في تهويمات سؤال الذات عن جدوى الاعتراف بالصداع، فقد يخفف ذلك عن عاتق الشخص تماشيه مع الوضع العام لنشر التجهيل، والتهميش الحيوي لكل تكوينات الفكر والجدل وطرق التعبير عن الرأي، وهذا تحديداً ما يجعل الاكتئاب هدفاً جيداً للجسد والروح والعقل والعاطفي، فكلما اعترفنا بعدم وجود هذا الإحساس تأكد لنا أنه قد شرش في جذور أرواحنا وفي فرص تفاؤلنا الضيقة.
هناك حيث تقع منطقة الاحتمال الكارثة أو لا تقع، تكمن مصيبة أعراض الكآبة! فعبارة (لا لا لست مكتئباً) جواب مستمر لأي حدث أو مشكلة أو رسالة لا على التعيين نتلقفها من الآخرين عن أحوالنا، فهل نكذب؟ أم نعض على الوجع، هل سنفكر مجدداً بنهاية العالم، أم سنقرأ مراثي بودلير ورامبو؟ هل سنتناول النبيذ البلدي في حين يخترق كوكب متطفل الكرة الأرضية بكل رضاً وصمت، مدمراً كل شيء..!
في روية أخرى الميلانكوليا -أو المليخوليا بالعربية- بتعريف مبسّط، هي حالة عقلية أعراضها اكتئاب ومزاج متعكر دون سبب واضح، وحرفياً هي كلمة باللغة اللاتينية تعني الحزن. في الماضي نُسب أي مرض عقلي أو نفسي لهذا المصطلح. هي أيضاً عنوان إحدى لوحات الرسام الألماني «Albrecht Durer».
لعل ذلك من آثار هذه السيمفونية الأليمة.. يا ترى متى سنكف عن المعرفة والحقيقة الموجعة؟؟

هول الاكتشاف..!

هول الاكتشاف..!

الطفل يكتشف الوجه الآخر للظلمة حين تنقطع الكهرباء، في حين يكتشف الإنسان الناضج حجم الارتباك الذي يمكن أن يصبّه كي يشرح للطفل ماذا تعني كلمة تقنين، لو سأله الصغير أين النور..!
والقطة تعرف أن السيارات المسرعة لا تناسب صورة حياتها الأخيرة حتى تمضي تحت عجلاتها لكنها تعتقد أنها أسرع منها، فلا يدرك السائق المشغول أن ثمة حيواناً قُتل باستهتاره، فيكتشف الناس أن ذلك قضاء وقدر..!
المراهق الطيب يشتري كتب نزار قباني ليخط لحبيبته رسالة إعجابه الأولى، لكنه لا يكتشف أن الفتاة تكره الشعر والشعراء وتحب الفيسبوك ومحادثة الكاميرا عبر السكايبي..!
اللوحة الممحوة بصقيع ريف دمشق لا تمثل إعلان دعاية حقيقية لأهم ماركات التدفئة المحلية، لأن العابرين اكتشفوا أن وقودها «المازوت» أصبح حلماً مستحيلاً..!
الشارع الذي تدور فيه البحيرات ساكتةً عن قهرها لم يكتشف أن ثمة عدسات لئيمة ترصد خواءه من الحقيقة وطوفانه بالوحشة التي عززت سخريتها مكبرات أغاني (تيرشرش.. تيرشرش.. )..!
يحلم المرء ببداية يوم نشيط وحيوية وطاقة إيجابية، لكنه يكتشف -حسبما قرأ- أن المنبه بصوته الإجرامي الصباحي هو سبب هذا الإحباط اليومي الذي يبدأ فيه نهاره، كيف ينهض من النوم بهذه الطريقة القاسية التي تخرق ضعف الإنسانية بتقنياتها وصخبها وألمها…!
الضيعة القديمة على ضفاف الفرات غمرها النهر وفيضانه، لكن أحداً لم ينتبه للسكان، في حين اكتشف التاريخ أن الشمال منذ زمن وهو يعاني من إقصاء مرير لا مبرر له..!
نكتشف وننكشف ونكاشف ونغرق في هول الأمثلة فلا نعرف من أين نبدأ ولا كيف نسد هذه الزوبعة من الأسئلة..؟ هل نصنع ناطحات سحاب ورقية ونحضر الجن والأرواح حتى نكتشف أن ذلك مجرد وهم..! نحن لسنا محكومين بالأمل، نحن محاكمون بالمحاولة من ثم الفشل والتراجع أو النجاح والاستمرار، هذا الأمل لا يعرف كشفاً له، هل جرّب أحداً أن يكتشف أن هناك أملاً بشيء لا وضوح في تفاصيله؟ إما أن يحدث وتنتهي القصة، أو لا يحدث وبالتالي لن يكون هنالك قصة، ثم ما هو..؟ ربما الاكتشاف..! نحن نسعى لنكتشف لا نقع على وجوهنا في حفر ومواقف وأزمات حتى نكتشف!؟ نريد أن نكتشف حقاً ما لا نعرفه، لا يسمح لنا بتجريب شيء، بسبب تقاليد المجتمع، لا يمكننا أن نبحث عن شيء، لأن ذلك محظور عن النشر ولا يجوز المساس به، ترى كم حياة يمكن للكائن البشري أن يعيش، ربما حياتين والأهم هي حين يبدأ عمره باكتشاف التفاصيل، الكون، المجتمع، الثقافة، الناس، المعرفة، اختلاف العروق في بقاع الأرض، أن نكتشف يعني أن لحياتنا حضوراً، لسنا من هواة الفرجة، نريد أن نشارك في لعبة الحياة، ترى هل أكتشف شخصياً هذه الأفكار للمرة الأولى؟ سألت نفسي، ثم قلتها بصوت واضح، فاكتشفت أن الذي يسأل نفسه في العلن يترك أثراً أكثر من التمتمة في الباطن، هل نتعامل مع كل بوحنا وفضولنا هكذا حتى نكتشف كم هي الحياة متسعة لكل شيء، حتى للموت، فهي لا توفر أحداً إلا وتقدمه للموت في حوادثها الأليمة، فنكتشف أن الحياة خائنة أيضاً..!
بين المخيلة والحقيقة هنالك فروق لا تنتهي، الأولى ممتعة وضائعة، والثانية مباشرة وواقعية، هما بابان لا ينتهيان من شدة هول الاكتشاف، متى يمكن لهذا الشعور أو هذه المعادلة أن تترك لنا حرية التنقل كما نريد لا كما يرسمها لنا الرقيب، هل اكتشف العرب الأقدمون رئة واحدة عند الإنسان واكتفوا بذلك؟ هل اكتشف «سيلفادور دالي» فكرة الساعات الذائبة وانتهى من الإبداع؟
بالمحصلة هي مجرد صور لغوية لهذا الشيء الذي نصرّ على إغفاله في خضم الأحداث، نصمت ننتظر نتأمل، لا نفكر للحظة بالتقصي والبحث والاطلاع على النتائج، وعلى كيفية معالجة هذه الصعقات الاجتماعية التي جاءت من وراء تخدير حس الاكتشاف… ولكن هل من ضمانات..؟

كلمات الضوء

كلمات الضوء

عمر الشيخ

مشهد 1
يستكين الرصيف المحاذي لجسر فكتوريا إلى صمت مؤقت، كان الصوت الأنثوي يصدح على لفيف المكتبات، ويمطر حبات السماء بارتباك وخوف جاهز لأي وشاية، الأجساد التي هرعت من بين الزقاق أفلتت حكاية صمتها على كل الإحداثيات، وفي الزاوية العابرة للضباب كانت الكهرباء المقطوعة تخبئ تحت ضوء البلدية الوحيد عناء جسد خائف من الكبريت الذي يشتعل في الأطراف ويكاد يحرق كل شيء.
بينما أهمّ بالابتعاد عن قلقي وعجزي قليلاً، أيقنت أني سمعت صوتاً ما، قبل أن يغزو العدم أذني، كانت حقائب المدرسة منثورة في مداخل البنايات، وعلى أطيان المطر والصقيع، وحده الوجه المبتسم لميكي ماوس على غلاف أحد الدفاتر بدأ يبكي، حاولت أن أصل للعنوان لكن الزحام والركض المتقطع أجبرني على الاختفاء، وحقيقة المشهد أرجعت لي قسوة أفلام الاعتلال الملتهب لأنفاس الطبقات المسحوقة في المجتمع، اقتربت قليلاً من الشجرة لأسند جسدي، لكني اكتشفت أن الشجر يبكي أيضاً وينتظر المطر حتى يخفي دموعه مثل قلوبنا التي يصعقها ما يحصل على الأرض..
كذلك كان الحلم الأصفر يراودني في الشارع الخلفي لبستان التعب، لم أفقد توازني، لكن الأرض ارتعدت قليلاً لتسمع وقع الأدرينالين، كتماني وهول الوشاية أربكني، كنت أريد أن أركض، لكني تأكدت أنهم أخوتي أيضاً، سلّم عليهم قلبي ومضى إلى صمته، سحبني صديقي وقال لي: «لقد أثقل قلبي هذا اليوم بما رأيت، هل يمكن أن يحدث كل ذلك على وجه الأرض .
هززت رأسي ونشيج أصابعي بدأ يصفق وجهي بمزيد من الذهول، ترى من هؤلاء؟ وهل براءة الأسئلة سطحية إلى هذه الدرجة؟ كأن صديقي يسمعني: أرجوك لا تسأل فقد تختفي يوماً بسبب الفضول..؟!

مشهد 2
في سوق الألوان، لم أجد ما يناسب توتري، ولا حتى القماش الأبيض كان يغريني بالتشطيب على الذاكرة التي غادرت للتو سخونتها، تجولت قليلاً، وتجولت في جسدي العيون الحائرة، لماذا أتعرق في عزّ الشتاء؟ ولماذا ألهث في كينونة اللوحات والتشكيل الرمزي المتألق؟ لا أعرف حينها من كنت؟ هل أنا أبحث عن ألوان، وريش وقماش، للرسم ولتفريغ هذا الخوف؟ أم أبحث عن مسكنات للأعصاب؟ أم أنني أساساً دخلت هذا المكان لأختبئ من شيء أو من كائنات أراها للمرة الأولى؟
لقد كنت على الأرض، على الأرض تماماً، وكانت رائحة التراب سلطانة على رئتي، ظننت أني في المنام لكن البلل أكل جسدي، والشوارع الموحشة أتقنت في فراغها فزعي، جلست في الموقف الرسمي للألم أنتظر باص الراحلين بينما تحرك يد بعيدة كفها ملوحة لي بالانتظار، أمعنت النظر بالجسد البعيد، لكن الضباب أغلق الصورة هكذا… هي ذي إذاً أشرطة سينمائية مسجلة على واجهة وكالة سوني أمام جسر فكتوريا، السعر باهظ للغاية، والشاشة الخيالية أغرقت مخيلتي بكثير من الأحلام، ترى ما سرّ هذا الخيال والأفكار التي اجتاحتني فوراً؟
وبلمحة عين أخرجت من حقيبتي مغلفاً صغيراً، وكتبت مشاهداتي المؤلمة والحاضرة في أي وقت وسيرة، وكتبت على الوجه الخلفي للظرف: إلى الضوء المخادع في كل مكان، هذا المغلف السري من آثار عنفك السريع، هل من الممكن أن تخفف فضيحتك الأسطورية باختراق عيوننا، فنحن على مهل كعربة جمال باشا السفاح ننتظر ببطء شديد أن يطلع فجر السلام على الوجوه المكفهرة…!

مشهد 3
الغبار الذي ملأ الطريق المؤدي إلى حديقة الفورسيزن جراء مشروع الترميم المواجه لها، أخفق قليلاً في حدة نظري، وبدل أن أضع الظرف في حقيبتي لأصل إلى مكتب البريد، وضعته في الجورة الكبيرة التي تغرق في العمق عشرة أمتار وفي صلبها ينتصب أساس الحديد لبناء قادم ربما لسينما أو مؤسسة أو مشفى، أتمنى أن يكون شيئاً جيداً، وقعت الظرف في الأسفل، في عمق العتمة، الماء والحجارة استقبلته بحنان، وعينان بدأتا تراقبان غياب ظله قبل ارتطامه بسطح المستنقع المؤقت الذي يخاف الكائن السقوط في أحضانه، انتظرت قليلاً، لعل الشريط الذي كتبته في الرسالة يصبح شاشة مائية لأمنيات السلام، لكنه اختفى، بينما أيقظني صوت حارس مشروع الحفر وهو ينادي علي: (يا أستاذ روح من هون بلا ما يصيبك دوار الحفر وتوقع.. رووح هونيك حديقة الفورسيزن… قرب لقدام..) شكرته بسرعة، ورجوته إن رأى أحلامي تطفو في شريط غريق في الأسفل أن ينقذها ويخبر الضوء أن أحد أبنائه سقط هنا على هيئة كلمات…