الأرشيف الشهري: مايو 2011

أن نختلف

أن نختلف

النهضة 544
عمر الشيخ

توازن القوة النقدية في المشهد الثقافي اليومي لا يأتي بالضرورة من اتحاد أفكار الجميع نحو كفة القراءة السلبية، والتنقيب عن الأخطاء والاصطياد في الماء العكر، فالمقاربة متفاوتة النسب في تكوين رؤية تفكيكية لما ينتجه الجيل الجديد من صحافة وأدب ورأي لا تبرر إعادة التجارب الناجحة في الماضي بتغيير المصطلح والتعبير مع الحفاظ على الجوهر الفكري والاجتماعي، هنا يقوم الاختلاف بدوره الحقيقي حين يصنع الجيل بصمته ونقاده وزمنه وتفكيره، وهذا الاختلاف المغاير للماضي تماماً والذي ينبذ أي تصور لتجارب صنّاعه هو الحالة الصحية التي يرفضها الكبار والصغار في التجربة والعمر!!
لعله الخوف من فقدان البوصلة أو الخروج عن الخط البياني المتخثر للدماء الجديدة في المشهد الثقافي، أو لربما هو الهروب العلني من الاعتراف بدولاب الزمن الذي يطيح بالقديم مقابل الجديد مهما كانت مستواه الإبداعي، من يخاف من التجديد في اللغة والتعبير عن الرأي يُصار أمره الآن إلى سببين رئيسيين، الأول هو إيمانه أن التكنولوجية قضت على الزمن الجميل، والثاني أن ما يقدم الآن هو هذر لغوي وإرهاصات يومية! وهنا تحديداً أين يحضر الناقد؟ وبأي عين سيبرهن أن الاختلاف هو طبيعة منطقية لتطور أي ثقافة مجتمع، الرأي الأقلية لا يعني إلغاءهم ورأي الأكثرية لا يبرر جبروتهم، المشكلة ليست في النسب إنما في قبول هذا الآخر الذي أختلف معه في الرأي ولكني أعيش معه على أرض وطن واحد.
في العائلة مثلاً، حين يختلف الصغير عن الفكر المكرس في المنزل لمنهج جامد لا يحتمل المناقشة، يتهم الصغير بالتشويه لهدوء المنزل وسكون أفراده، وحين يمتعض ضد فكرة في برنامج ما على التلفزيون أو نهج إخباري تتبعه بعض المحطات أو صياغة صحفية لمضمون ما يشهر به الجميع بأنه لا يزال صغيراً ولا يعرف شيئاً..
أن نختلف في أفكارنا وفي طرق التعبير عنها، لا يعني أن نمسح أسماء بعضنا من دفتر الهاتف أو من قائمة أسماء الموبايل، لا يعني أن نغلق بريدنا في أوجه بعضنا، لا يعني أن نشتم ونخون وننال من بعضنا.. أن نختلف يعني أن نفكر بأكثر من وجهة نظر، بأوسع من عين واحدة، بأدق من مفهوم أحادي.
هذه التشاركية التي نطمح إليها في الثقافة والحياة ليست أكثر من غاية دقيقة لتنوع أطياف الفكر الثقافي، واستثماره في تعميم حالة قبول الآخر حتى لو كان على خطأ، لأن رد الخطأ بخطأ هو إلغاء الاثنين وبالتالي خسارة للوقت والأشخاص..
أن نختلف، يعني أن نتحاور في وجهات نظرنا، دون أن يفسد للود قضية، دون أن نقوم باختلاق أسماء وهمية على الإنترنت للتشهير ببعضنا البعض، والتنكيل بمبادرات الاختلاف الفكري والمنطقي والاجتماعي والثقافي والحياتي وتقديمها على أنها مجرد مبادرات (خالف تعرف..!).
يغيب النقد الآن في كافة اتجاهاته، ليحضر القطب الواحد مقابل ما يرسم له الجيل الجديد من آمال وأفكار ثقافية لمواجهة ما نجهله في الحياة والكون، يغيب النقد خلف شماعة حماية التراث الفكري والنخبوي، ويطالب برأس كل من سولت له نفسه أن يختلف عن البقية، ويرفض أن يدجن على الأقل دون أن يناقش أو يأخذ برأيه على محمل الجد، الطاحونة تسير وكلنا مطالب بأن يقول رأيه مختلفاً كان أم مشابهاً للأكثرية، المهم هو أن نظل تحت سقف الوطن والمواطن.
هل سندوّن يومياتنا في هذه الانعطافة التاريخية التي تمر فيها بلادنا ليستفيد منها تاريخنا؟ وهل سيقدم كل منا أجندته الوطنية التي فكر فيها ضمن حدود القانون والوطن لتدعم رغبات الجميع في التقدم والتطور؟ كم يلزم من الوقت حتى نتحاور ونختلف ونتجادل ويضع كل منا رأيه ومطلبه على الورق ويحافظ عليه ويحميه ليكون نقياً واضحاً ومقنعاً أمام أبناء الوطن.؟

بلوتوث البارون

بلوتوث البارون

عمر الشيخ
خاص بالموقع

تركت المسلسلات التركية المدبلجة لدى المشاهد السوري عشرات الهواجس والأحلام المثقلة بالطموحات الاجتماعية، حيث قام معظم الناس بجعل شخوص الدراما التركية الجديدة أيقونات حياتية تعوض بعض النواقص النفسية التي تصيبهم، وذلك من خلال وضع صور أولئك النجوم كخلفيات للهواتف النقالة أو كصور شخصية على الفيس بوك أو حتى كموضة ثياب وأسلوب حديث جدي نصطدم مع أصحابه كل يوم في كل مكان وهذا يضعنا أمام عينة كبيرة من المرضى المصابين بحمّى التبعية والتقمص الأرعن..
وما يثير الضحك فعلاً أن يقوم أحدهم بتسمية حساب البلوتوث على هاتفه النقال بـ (البارون) تيمناً بأبطال سلسلة “وادي الذئاب” تلك الفرجة التي اختصرت هموم الشارع السوري إلى فسحة قصيرة تعنى بمتابعة شيء من الأحداث التاريخية -ربما الحساسة- التي وثق لها بعض كتاب الدراما التركية الأذكياء! وقد زعم صاحبنا أبو بلوتوث البارون أنه تعلم كار البارونية في غابات “المليحة” و حفر “كفربطنة”.. ثم راح يدعم تلك الندبات البارونية بفتح طاولات للحشرات العابثة التي وجدت للحفاظ على داء (الفسفسة) بشكل منتظم، هكذا يلتف البارون حول حشراته الدرامية ليشكل جيلاً شاباً من محيطه المخملي ويفتح انحطاطاً جديداً في تلابيب المجتمع المعاصر ثم ليتحول اسمه من البلوتوث إلى طباع الأفعال الحياتية القائمة على النميمة و تناول زملاء العمل والأصدقاء من بُعد (باروني) دقيق هدفه كسب ود المدير أو المعلم أو الإسكندر الأكبر لضمان وجوده بين أغوات الطاولة المستديرة ذات مقلاة زيت الغيرة الذي يشوى خلالها سيرة كل قريب وبعيد ليرفع نخب البارونية والسفاهة معاً..
ينمو المحيط الفكري لدى الشباب في مجتمعنا حسب معادلة الحلزون، أي بدل أن يمتد عقل أحدهم نحو التثقيف الذاتي ومحبة الآخرين، يلتف حول صور العنتريات و (الشوباش والتوزين) أمام الجميع، ثم يصبح العقل حلوزن نتن يقوم بترك أثر البصاق جراء ثرثرة النسوان لقصص الناس التي لا مبرر للحديث فيها إلا تدني مستوى التفكير و انعدام النبل الإنساني..!
وجهات إعلامية وأخرى فنية و ثالثة ثقافية تعيش الآن انفلونزا التقمص والبارونية على الجوالات وفي دورات المياه.. خلف المكاتب وفي ممرات الأبنية الثقافية.. تحت وطأة (طقّ) البراغي وقصف الرقبة صارت اهتمامات الجيل محصورة في تقديم القربان للوسائط البشرية التي تملك نفوذاً عضلياً يقابله عطالة عقلية توغل كل يوم في مسام أشباه صاحب بلوتوث البارون الذي يعد ضحية الإسفاف الحر والذوق الاجتماعي الهابط.. هل يبدأ الانحطاط مرحلة استثنائية في ذروة الخواء الإنساني والثقافي..؟

مشروع ثقافي.. ينتظر!

مشروع ثقافي.. ينتظر!

النهضة 543

عمر الشيخ
انسجاماً مع حالة التفرد والتنوع التي تحكم ذهنية ورؤى المثقف السوري، لم تتفق حتى الآن النخب الثقافية على ملامح مشروع ثقافي جاد وفعلي، وكأن الحديث عن وجود مثل هكذا مشروع في الحالة الراهنة يعتبر خارج خريطة التقدم والتغيير! على حين تقدم حلول تنظيرية عن آلية المناخ التكتيكي للعمل الثقافي دون التمخض في متطلبات هذا العمل، فكل يحدو نحو رغبات الشارع بالتغيير الكلي، علماً أن نسبة قليلة جداً هي التي تهتم بمنحى الوعي الفكري الذي تتلاشى بوادره عن متطلبات الناس تدريجياً، والمصيبة الأكبر هي عن كيفية تحديد هوية هذا المشروع الثقافي الواسع، طالما خضعت المؤسسات الثقافية الرسمية إلى العمل تحت قوانين وأحكام وظيفية لا تتقبل المشاريع الثقافية المتطورة سوى ممن تكلفهم بذلك، وعلى ذلك تعيد تجارب انقرضت ولم تعد تنفع حتى لصف الكتب أو لجلسات الذكريات في المقاهي، فالعقول التي تطالعنا على شاشات التلفزة والصحف سلّمت أوراق اعتمادها للماضي وباتت تكرر ما تقول كآلة تسجيل بالية..
هنالك صفة سورية تلتصق بأهمية هوية تلك المشاريع ولكن ذلك لا يكفي، لأن اختلاف الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحاضر يتطلب استمرارية في النقاش والحوار مع الجميع، حتى ممّن يمتلكون شكلاً لا استطاعة على المؤسسة الرسمية تكوينه، حتى ندرك أهمية شراكة المؤسسات الأهلية وكل السوريين في أي مكان على تقديم تحرك حقيقي لمجموعة آراء ومقترحات ولو عبر موقع إلكتروني تقدمه الحكومة لجهة ما تتبع لهيئة مشاريع التطوير في الدولة، ملزمة بإحصائيات يومية لم يقدم، أفضل من النوم بعسل التنبؤ والأمل الذي لا يقدم ولا شيء في اختلاف أجواء التثقيف في المجتمع بل ويزيدها ضحالة وركود ومحسوبيات بائدة..!
هوية المشروع الوطنية والقومية، تحسم علاقتها بالدين والطائفة والتشريع المدني لصالح أفرد المجتمع مهما اختلفت علاقتهم بالسماء.. تلك الهوية التي تتجاوز -بلا شك- الحارات والمدن والأعراق إلى رؤى أشمل، ستضمن بالتالي ضم الفصام الجانبي بين كل الأطراف، وستقترب من تفكير سريع استفادت منه أجيال سابقة وقدمت خلاصته للجيل الجديد الذي قدم بدوره وجهة نظره من منطلق مشاركة ومباشرة في التنفيذ، هنا من يدعم ويرعى وينظم؟ بالتأكيد سيساهم الشباب بتحرك ثقافي معرفي ووطني، ومن الجهة الأخرى يجب أن تقف إلى جانبهم بوصلة الحرية التي تجاوزت استهداف الأشخاص وأصبح مطلبها يتلخص في فتح المشروع الفكري أمام الجميع للنقاش والبناء الجديد أمام العالم بأسره وبعيداً عن مهارات التشويش التي احترفها الغرب لتضليل الرأي العام تجاه رؤية السوريين في أولويات مصلحتهم التي يعرفونها دون أن يشير أي كان إلى موضعها وأهميتها.
ليس حلماً، ونرجو جميعاً ألا يكون مجرد حلم! المشروع الثقافي غاية قريبة جداً، وجسر جديد يمكن أن تقوم الحكومة بتعزيزه إلى جانب الكثير من التغييرات التي تسعى لها، لتفعل وسائل الإعلام الخاصة والعامة والمواقع الإلكترونية ورسائل الموبايل، تفعيلاً شاملاً، لكل الناس حتى ممن لم يقرؤوا بحياتهم أكثر من لائحة الأسعار في مخزن الخضار!
أجل أيها السادة، لن يتقدم شيء من تلقاء نفسه، الهوية الوطنية لمشروعنا الثقافي الفكري، وها نحن نطالب بإيجاد صيغة لجمع كل النخب الثقافية وغير النخب إلى تقديم رؤيا واقعية لمجتمع غابت عنه الثقافة وحضرت هموم المعيشة ولوازم السكن وتوابعها..
لن يؤخر زواج أحد ممن يحب، إذا ما قام بتقديم رأيه حول هوية المشاريع الثقافية، حول بنية التثقيف الذاتي، هنالك من تعلم ثقافة السلاح على حدود الوطن، ونحن في الداخل في قلب المدن الكبيرة والصغيرة وكل المناطق ندعو لبناء مشروع ثقافي حقيقي يمتلك هوية واضحة كعين الشمس تدعم سلاح حماة الديار وتجعل سوريتنا أكثر فخراً بأبنائها.
إذاً سورية بحاجة إلى مشروع ثقافي شامل لا يقتصر على حراك مؤسسات وزارة الثقافة وكوادرها، بل يحتاج إلى كل أشكال التعاون الفعلي من شباب الوطن وطاقاتهم الفكرية المبشرة.. هل نرفع أصواتنا أكثر ونرسم الخطوط الجديدة لمشاريعنا الفكرية والثقافية التي ستأخذها الحكومة بعين التنفيذ لا المماطلة…؟ من سيجيب يا ترى؟

«تعارف» و«كلام».. محطات فضائية لبيع الأحلام الفاسدة والاتجار بأصوات النساء أسعار مكالمات باهظة.. ومحترف للضحك على عقول الناس.!

«تعارف» و«كلام».. محطات فضائية لبيع الأحلام الفاسدة والاتجار بأصوات النساء أسعار مكالمات باهظة.. ومحترف للضحك على عقول الناس.!

النهضة 543
عمر الشيخ


يزداد سعار المد الفضائي على شاشات التلفزة العربية، فتظهر كل أسبوع تقريباً قناة أو قناتان، ولعل آخر ما وصل إليه أصحاب رؤوس الأموال الخارجية هو تمويل محطات المتاجرة بأصوات النساء، وتعليب أصوات الإغواء المبرمجة عبر الكمبيوتر بلهجات عربية مختلفة، لتقدم للمشاهد على خلفية صور منوعة لحسناوات من عالم الموضة والإنترنت، على إيقاع بعض أغاني الرقص الشرقي والغربي أو الموسيقا المثيرة، على غرار محطات البورنو الأجنبية، تقدم هذه المحطات الصوتية رصيداً كبيراً من التنازلات المجانية السريعة والخيالية لمجرد أن يتصل بها الشباب المتحدثون باللغة العربية فقط، فهي موجهة لهم ولقلوبهم كما تدعي، لتمنحهم الأجنحة الوردية والسلالم الذهبية حتى يصلوا إلى قصور الجمال المتمثل هنا بإثارة الصوت الأنثوي على الهاتف، وهذه التجربة لا تقل سخفاً وانحطاطاً من تجربة قنوات (الشات) التي باتت لا تعد ولا تحصى، والخاسر هنا هو المشاهد بدل أن يجد محطة جديدة منافسة بشق من اهتمامات الحياة الإنسانية أو الاجتماعية الحقيقية، تجده أمام اصطدام يومي بعشرات المحطات الفضائية التي تعتمد على صفحات (ستوب كادر) بالإضافة إلى أشرطة متحركة في كل زواياها تنقل هواجس مزيفة تفضح في مضامينها خواء هائلاً تعيشه شريحة واسعة من الجيل.

محطة السعادة والمتعة!
لا يتردد طارق الطالب في كلية الآداب عن محاولات الاتصال بأي رقم غريب (أنتظر مجهولة أو أمل في غائب لا أعرفه..!) قبل أن أسأله عن مدى اقتناعه بفائدة محطات التواصل مع أرقام دولية تتحدث مجيباتها البشرية باللغة العربية الفصحى ويدخلن في محاور (ساخنة) كما يدعوها، يحاول أن يكتشف ما خلف كل ذلك، دون أن يفكر للحظة بالمتعة مع عالم لا يعرف عنه شيئاً، بل ليعرف فقط ما سبب كل ذاك (الانفلات التكنولوجي) الذي بات يهتم بتأمين السعادة للشباب، وبملء وقتهم بعشرات الأحلام الكبيرة التي تكلفهم مئات الليرات لسماع صوت ما من البعيد ربما في أماكن لا تقع على وجه الكرة الأرضية.
بينما يرفض حسام صاحب مقهى إنترنت مجرد الوقوف عند تلك المحطات ويبادر لحذف كل محطات (الشات) و(التعارف) التي يديرها المشاهدون بأنفسهم، وحتى تلك التي تأتينا من آخر بقاع الأرض حاملة آمال السعادة من خلال استخفافها بعقول الناس (معنا أحلى صبايا مثيرات.. هكذا تتردد هذه الجملة طوال اليوم، وما يستفزك أكثر أنهم يصرون أن حياتك لن تكون ممتعة دون الاتصال بهم) ويضيف حسام: (أستطيع بكبسة زر حذف كل تلك المحطات ولكن حتى يتأكد باقي المشاهدين في أنحاء العالم العربي من مدى كذب وسذاجة تلك المحطات تكون قد ربحت بمجرد محاولة الاتصال عبرها أو مشاهدتها أو التفكير بتوجهها المشوه للإنسانية) نحن في حياتنا اليوم نتصل بأي رقم غريب، كيف لو قدم لنا عبر الشاشة؟ ويؤكد حسام: هنالك عطب واضح لدى فئة لا بأس بها من الشباب والشابات لكسر الفضول، علماً أنه بمجرد نسخ أي من تلك الأرقام ووضعها على محركات البحث على الإنترنت لاكتشفت من أي مصدر هي ومن يديرها ولصالح من تغزو وتهدم..
تتصدر تلك المحطات شعارات مثل (نحن حقيقة ومنّا خيال) و(نحن معك لنخلي حياتك أمتع) ترى كيف دخلت تلك المحطات في قائمة حجز المساحة المنوط بها من البث على قمر نيل سات العربي؟

اللعبة تجارية بامتياز
ترى المحللة الاقتصادية نيرمين علي أن هذه المشاريع التجارية البحتة تديرها في الخفاء أجهزة استقصاء غربية لها مصالح مع مخططات لهدر وقت المواطن العربي، والعمل على وتر العاطفة لديه، إلا أن البعض لا يدرك مدى خطورة مثل هذه التجربة ولو بمحاولة الاتصال على الأرقام الدولية (فهو أي «المشاهد- المتصل» بمجرد بدء الاتصال بأي رقم دولي يظهر على الشاشة، فإنه يكسب المحطة أرباحاً طائلة بسبب تشغيله للمخدم الدولي الذي يتيح فرصة للاطلاع على بيانات العملاء في الدول العربية ونوعية الشبكات التي يستخدمونها، ليخسر الطرفان المتصل ومخدم الاتصال من أجل لا شيء وعادة ما يكون المجيب آلياً).
لا تقل هذه الخطوة خطورة عن الرسائل التي يدمن البعض على تداولها عبر شاشات التعارف الفضائية، إذ إن الرسائل الواحدة التي تتضمن ستين حرفاً تكلف نحو ستين ليرة سورية، عدا عن منسوب هدر الوقت والفكر والجهد النفسي، وتضيف نيرمين: (حالة المجتمع العربي تتعلق بمحظورات اجتماعية فرضتها العادات والتقاليد، ولعل الإنترنت الأقل خطورة وهدراً للمال والجهد حتى يتأكد الناس من مدى صحة التواصل وصحيته، كيف لو كان التواصل مع محطات فضائية لا يعرف أحد من يمولها ولمن يمكن أن تعود فوائدها!!).

مكالمات سرية
سامي مهندس معلوماتية واتصالات حاول عبر خدمة (سكايب) الدخول إلى تلك الأرقام لمعرفة مصدرها ومكان إرسالها ونشاطها على المحطات الفضائية، اتضح أنها مخدمة فضائياً بميزات التجوال الواسعة، أضف إلى أنك تستطيع فتح محطة تلفزيونية من أي باص نقل متوسط الحجم لا يمكن كشف مكانه، ولا يحتاج سوى للاقط عالي التقنيات يرسل للقمر الصناعي ويستقبل بسرعة خيالية! ولكن تلك المحطات تتصل مع مجموعة عمل واسعة إلى جانب بعض المواقع الإباحية للنيل من وقت المواطن العربي، وهي تعمل من داخل بلدان عربية بدعم أجنبي، يقول سامي (يجيب عليك صوت أنثوي من لهجة مهجنة، مصرية أحياناً أو أردنية أو لبنانية أو محلية، فيبدأ الحديث حول ما تحبه لدى الفتاة، وما مواصفاتها التي تثيرك.. تسأل عن تفاصيل في جسمك وتدلي بأسرار جسمها عبر الهاتف كأنها تمارس إغواء فاضحاً بتأوهات مبتذلة) ويؤكد سامي: حاولت أن أسجل جزءاً من المكالمة لعله مجيب آلي مبرمج عبر الكمبيوتر ولكن اتضح أن طاقم العمل يحتوي على كوادر بشرية فعلاً من جنسيات عربية وأجنبية للأسف وليست أصواتاً مركبة، وهذا بحد ذاته خسارة مؤسفة لما وصل إليه العلم في المجتمعات المتخلفة.
انحطاط!
هناك أقنية عربية تشارك بالانحطاط الأخلاقي الإعلامي من خلال تقديم هويتها بطباع أفعال الخير والحلال، كإطلاق قناة خاصة تعرض أرقاماً ورموزاً تتضمن سيرة ذاتية عن الوضع الاجتماعي لبعض الناس الذين يبغون التزاوج من غرباء على مدار العالم ولكنهم عرب مئة بالمئة..!
يعتقد (منير) معد برامج في إحدى الفضائيات العربية أن برامج مثل هذه قد تساهم في غربلة المجتمع لكشف اهتمامات الناس الثقافية والحياتية، ويضيف: (تساهم أحياناً هذه الأقنية المتخصصة بالمسابقات وادعاءات الجوائز إلى حد ما بكشف شريحة واسعة من المجتمع العربي تعاني الخواء البصري والثقافي، ولا تعرف استثمار الوقت إلا بقتله عبر محاولاتهم كسب فرص السفر ولو بالأوهام، وهذا يدل على المستوى المتدني لوظيفة الإعلام العربي الراهن التي استنتجها بعض المشاهدين من وجود مثل تلك الأقنية).
ولكن كأن المشاركة العربية على مختلف سبل نشر التسلية وتمضية الوقت تبدو وضاحة من خلال اللهجات وأرقام الهواتف التي تظهر طول فترة بث محطات المسابقات، والهدف هو شراكة واسعة في نشر ثقافة كسب الربح من البيت وعبر الهاتف، والطامة الكبرى أن أكثر الناس يؤمن بتلك الصفقات المشبوهة، وذلك بسبب انعدام الوعي أساساً لدى فطرة المشاهد العربي.
أخيراً
المفارقة لا تكمن في تنوع تلك المحطات الخاوية وحسب، بل باستمرارها على مدار الأربع وعشرين ساعة على الهواء مباشرة، كما أنها غير مجبرة على الرد إن قام أحدهم بشتمهم أو انتقدهم عبر اتصال هاتفي، لأن لديهم قدرة خاصة تجعلهم يقومون بسحب رصيد المشترك المزعج بشكل دوري في حال حفظوا رقمه على كونترول الشبكة الهاتفة التي تخص المحطة، أضف إلى ذلك أن شراكتها مع كبرى مؤسسات الاتصالات العالمية يعد طواعية غزواً ثقافياً رجعياً بامتياز، وهذا ما يجعل المال متحكماً ذكياً بيد تلك الشركات فهي تساهم أيضاً بتأمين معدات إطلاق هذا المربع التلفزيوني الذي يسمى قناة فضائية للمسابقات والتعارف وكلفة المكالمة الواحدة تصل إلى مئة دولار ويزيد..
من الضروري أن تتوقف تلك المحطات التلفزيونية بأي طريقة لكبح عجلات هذا الغزو المبطن بشتى أساليب التسلية والترف التي تغذيها القوى الاستعمارية عبر المال والعلاقات المشبوهة، وقبل كل شيء ليتوقف الضحك على عقول الناس..!

مشروع ثقافي.. ينتظر!

مشروع ثقافي.. ينتظر!

النهضة 543
عمر الشيخ

انسجاماً مع حالة التفرد والتنوع التي تحكم ذهنية ورؤى المثقف السوري، لم تتفق حتى الآن النخب الثقافية على ملامح مشروع ثقافي جاد وفعلي، وكأن الحديث عن وجود مثل هكذا مشروع في الحالة الراهنة يعتبر خارج خريطة التقدم والتغيير! على حين تقدم حلول تنظيرية عن آلية المناخ التكتيكي للعمل الثقافي دون التمخض في متطلبات هذا العمل، فكل يحدو نحو رغبات الشارع بالتغيير الكلي، علماً أن نسبة قليلة جداً هي التي تهتم بمنحى الوعي الفكري الذي تتلاشى بوادره عن متطلبات الناس تدريجياً، والمصيبة الأكبر هي عن كيفية تحديد هوية هذا المشروع الثقافي الواسع، طالما خضعت المؤسسات الثقافية الرسمية إلى العمل تحت قوانين وأحكام وظيفية لا تتقبل المشاريع الثقافية المتطورة سوى ممن تكلفهم بذلك، وعلى ذلك تعيد تجارب انقرضت ولم تعد تنفع حتى لصف الكتب أو لجلسات الذكريات في المقاهي، فالعقول التي تطالعنا على شاشات التلفزة والصحف سلّمت أوراق اعتمادها للماضي وباتت تكرر ما تقول كآلة تسجيل بالية..
هنالك صفة سورية تلتصق بأهمية هوية تلك المشاريع ولكن ذلك لا يكفي، لأن اختلاف الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحاضر يتطلب استمرارية في النقاش والحوار مع الجميع، حتى ممّن يمتلكون شكلاً لا استطاعة على المؤسسة الرسمية تكوينه، حتى ندرك أهمية شراكة المؤسسات الأهلية وكل السوريين في أي مكان على تقديم تحرك حقيقي لمجموعة آراء ومقترحات ولو عبر موقع إلكتروني تقدمه الحكومة لجهة ما تتبع لهيئة مشاريع التطوير في الدولة، ملزمة بإحصائيات يومية لم يقدم، أفضل من النوم بعسل التنبؤ والأمل الذي لا يقدم ولا شيء في اختلاف أجواء التثقيف في المجتمع بل ويزيدها ضحالة وركود ومحسوبيات بائدة..!
هوية المشروع الوطنية والقومية، تحسم علاقتها بالدين والطائفة والتشريع المدني لصالح أفرد المجتمع مهما اختلفت علاقتهم بالسماء.. تلك الهوية التي تتجاوز -بلا شك- الحارات والمدن والأعراق إلى رؤى أشمل، ستضمن بالتالي ضم الفصام الجانبي بين كل الأطراف، وستقترب من تفكير سريع استفادت منه أجيال سابقة وقدمت خلاصته للجيل الجديد الذي قدم بدوره وجهة نظره من منطلق مشاركة ومباشرة في التنفيذ، هنا من يدعم ويرعى وينظم؟ بالتأكيد سيساهم الشباب بتحرك ثقافي معرفي ووطني، ومن الجهة الأخرى يجب أن تقف إلى جانبهم بوصلة الحرية التي تجاوزت استهداف الأشخاص وأصبح مطلبها يتلخص في فتح المشروع الفكري أمام الجميع للنقاش والبناء الجديد أمام العالم بأسره وبعيداً عن مهارات التشويش التي احترفها الغرب لتضليل الرأي العام تجاه رؤية السوريين في أولويات مصلحتهم التي يعرفونها دون أن يشير أي كان إلى موضعها وأهميتها.
ليس حلماً، ونرجو جميعاً ألا يكون مجرد حلم! المشروع الثقافي غاية قريبة جداً، وجسر جديد يمكن أن تقوم الحكومة بتعزيزه إلى جانب الكثير من التغييرات التي تسعى لها، لتفعل وسائل الإعلام الخاصة والعامة والمواقع الإلكترونية ورسائل الموبايل، تفعيلاً شاملاً، لكل الناس حتى ممن لم يقرؤوا بحياتهم أكثر من لائحة الأسعار في مخزن الخضار!
أجل أيها السادة، لن يتقدم شيء من تلقاء نفسه، الهوية الوطنية لمشروعنا الثقافي الفكري، وها نحن نطالب بإيجاد صيغة لجمع كل النخب الثقافية وغير النخب إلى تقديم رؤيا واقعية لمجتمع غابت عنه الثقافة وحضرت هموم المعيشة ولوازم السكن وتوابعها..
لن يؤخر زواج أحد ممن يحب، إذا ما قام بتقديم رأيه حول هوية المشاريع الثقافية، حول بنية التثقيف الذاتي، هنالك من تعلم ثقافة السلاح على حدود الوطن، ونحن في الداخل في قلب المدن الكبيرة والصغيرة وكل المناطق ندعو لبناء مشروع ثقافي حقيقي يمتلك هوية واضحة كعين الشمس تدعم سلاح حماة الديار وتجعل سوريتنا أكثر فخراً بأبنائها.
إذاً سورية بحاجة إلى مشروع ثقافي شامل لا يقتصر على حراك مؤسسات وزارة الثقافة وكوادرها، بل يحتاج إلى كل أشكال التعاون الفعلي من شباب الوطن وطاقاتهم الفكرية المبشرة.. هل نرفع أصواتنا أكثر ونرسم الخطوط الجديدة لمشاريعنا الفكرية والثقافية التي ستأخذها الحكومة بعين التنفيذ لا المماطلة…؟ من سيجيب يا ترى؟

صراع الماركات..!

صراع الماركات..!

النهضة
عمر الشيخ

ثمة الكثير من المحاولات الكتابية في أجناس الأدب، وأحياناً نجد نوع كتاب لا هوية له، لا شك أن لكل إنسان حرية أن يكتب ويقول ما يريد، ولكن السؤال: هل كل ما يكتب يصلح للنشر أو أن يسمى أصلاً كتابة نوعية؟
تساهم الأعمال المشبهة للأدب بترويض ذائقة ثقافية متهتكة، ما يجعل أصحاب الموهبة الحقيقية مهددين برواج نتاجهم الإبداعي المميز، فقط تجد أسماءً مغمورة على كثرتها أمام قامات فذة غيّرت وجه الحياة، هذا ما يسمى سخرية الأقدار، أن يتحول الأدب إلى شماعة يعلق عليها المريدون وأنصاف المواهب عبثهم الخاوي..
الجميع مثقف ولديه المقدرة على إيجاد صورته مهما كانت مشوهة، فنحن نقع على مجموعة من الكتب التي تصدر عن بعض دور النشر، وقد أزال الناشر عنها لوغو الدار أو أي صفة رسمية تنسب هذا الكتاب أو ذاك لداره، ونسأل: ما سبب ذلك البطر التجاري؟ يفاجئنا أصحاب دور النشر بوجود مجموعة من الناس يأتون إليهم ويدفعون ضعف مبلغ طبع مجموعة شعرية أو قصصية أو رواية بطبعة متواضعة مقابل طبع كتاباتهم دون مصدر ناشر، الأمر الذي يثير لبساً لدى القارئ لماذا لم تتبنَّ دار النشر هذا الكتاب؟
يحق لي كقارئ أن أحتج بشدة على تلك الكتب التي تطبع دون هوية، لأي عابر (مقتدر) وأن أطالب بتنظيف المكتبات الشخصية والعامة من الكتب الهزيلة وألوان الخواطر الإنشائية والروايات المشوهة بالأخطاء النحوية والإملائية.. لا يتوقف الأمر عند كل هذه الطبعات الفاخرة وحسب، بل إن بعض التجار راح يضع جوائز باسمه ويرعى الأدب ويسيّسه ويتوج نفسه أديباً وكاتب وناشراً وهو لم يقرأ عشرة كتب في كل حياته..!
هنالك أعمال إبداعية لم تجد طريقها إلى النشر ومات أصحابها وبقي الورثة من شدة خوفهم أو غيرتهم، لا يدعمون تلك الأعمال، ولا يتركون رحمة الناشر تنزل عليها، هنا أيضاً تجبرنا حقوق الورثة على طباعة تلك الروائع دون وضع أي لوغو، وذلك لأنها قد تكون نسخة مكتبة خاصة وغير مرخصة للنشر في المكتبات لتباع، علماً أنها من روائع الأعمال التي من الممكن أن تكون تاريخية، وهنا أقصد بالتحديد مجموعة من الشعراء السوريين قد أغفلت آثارهم ولم تنشر بعد بسبب مشاكل الورثة، هكذا يحرم الجيل بأكمله من الاطلاع على تجارب عملاقة لم تجد فرصة للنشر، لكنها تركت آثاراً عظيمة تتصدر تاريخها وتشرف بلادها..
اللوغو ورغم كل هذه الحثالة التي تطبع وترمي كتبها كالآفات في كل مكان، يحصّنها شعار الدار ويسلم ثقته للقارئ ويضمن له أن يجد على الأقل شيئاً ممتعاً وجديداً، سواءً في الترجمة أو البحوث أو الإبداع الفكري، ومسألة غيابه تثير قلقاً كبيراً لدى القارئ على الرغم من أنها أي تلك الكتب الهزيلة سلاح ذو حدين، إذ تساند تكاليف الدار التي قد لا تجلب همها، ومن ناحية أخرى قد تكشف عن أصوات جديدة ربما تغير وجه العالم، ولكن حتى نصل لتلك المرحلة من التذوق والاكتشاف، نحن مطالبون بالوقوف بوجه طباعة الأعمال الرديئة ومحاولة تشجيع من يمتلك حقاً ملكة الكتابة والاختلاف ومع دور النشر التي تغربل ما استطاعت في طباعة تلك الأعمال المقروءة وطرحها في المكتبات العامة..
من ناحية أخرى، هنالك لوغوهات تتصدر أعمالاً أدبية لأسماء كبيرة ولكنها أي تلك الأسماء أكملت دائرتها الإبداعية ولم يعد لديها شيء جديد، فتجد القارئ رغم بساطة وعادية ما يأتيه من أولئك المبدعين حتى لو كان خربشات فهو يتقبله ويعتبره فتحاً إبداعياً مهماً، والدليل أن هذا اللوغو لتلك الدار المرموقة قد طبع لهم أعمالاً جديدة ربما هي الأكثر تميزاً كما يعتقد القارئ..

إعلام عيادات الترجمة!

إعلام عيادات الترجمة!

خاص بالموقع
عمر الشيخ

ماذا لو عرضت قناة ناطقة باللغة الروسية أو الفرنسية او الإنكليزية برنامجاً طبياً يوضح أهم النصائح التي وصل إليها العلم..؟ هل يمكن لقناة سورية مثلاً ترجمة تلك النتاجات الطبية القائمة على مشروع بحث وجهد شاق لإيصالها للمشاهدين العرب بنكهة سورية خاصة..؟ هل ثمّة فرق بين هذا العمل و مشاريع الدوبلاج المنحول التي تجري على المسلسلات التركية و نشرها باللهجة السورية المحكية..؟
بالكاد يصل بعض أصحب رؤوس الأموال البسيطة إلى إلتقاط رجل إعلام مرموق حتى يقوم بتأسيس مطبوعة معينة أو منبر مرئي أو مسموع مؤلف من كادر تحرير وترجمة واستشاريين.. زاده الأول والأخير المعلومات الأجنبية الحديثة التي تصاغ من جديد بقالب عربي سوري يناسب المجتمع، ترى هل تمثل تلك المقاربة رؤيا مهنية صادق في الوسط الإعلامي بالنسبة لأمانة المعلومات وحقيقة مصدرها؟
لا نعرف ما الذي يردنا الآن من ترجمات إعلامية من هنا وهناك في كل من السياسة والصحة والموضة وأخبار الأدب والفنون.. ما مدى سماح أصحاب المواد الأساسية المنشورة بمنح حقوق الترجمة والنشر الخاص لأي وسيلة إعلامية لا على التعيين؟ إن ابتكار منبر إعلامي يجاهد في ترويج اسمه على حساب مجهود مسروق من لغة أجنبية أخرى دون العودة لأصحاب الملكية الأساسية ليس إلا تأكيد علني على الاتجار المباشر والمبرر بعقول القرّاء، والعبث الجوهري بمضمون الأفكار المخصصة أساساً لمجتمع غير عربي..
يتعامل بعض القائمين على منابر حديثة الولادة مع موضوع ترجمة الإعلام الأجنبي بصفة مطلقة بالتصرف بمنقولات من كتب ومجلات ووسائل مرئية ومسموعة وعبر الانترنت أيضاً!! دون إذن مسبق من أصحاب تلك المطبوعة أو ذاك الكتاب، وبوصفهم أجانب و كتبهم تباع هنا فليس ثمّة من يتابع أو يسأل طالما المعلومة مترجمة على قياس حياة المواطن العربي المحلي وقد يجد طرق عصرية خارقة لعلاج مشاكل حياته وهو لا يعلم أن ما يترجم وينشر ليس مخصصاً لمجتمعه، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: من هم أولئك حتى ينصّبوا أنفسهم حُماة للغة العربية ويترجمون كما يريدون من باب التغييم على النص الأصلي وإفادة الآخرين؟ لماذا لا يكون مصدرهم عربي مئة بالمئة، أو إن شاءوا الترجمة فليذكروا المصدر الحقيق!! ألا يوجد في سورية أخصائيين في الطب والثقافة والأدب والفلك والفضاء والتلفزيون.. حتى نأتي بإعلام مترجم جاهز ومدروس بأقل كلفة ممكنة!
إن الحاجة التجارية وحدها هي ما يبرر لأولئك الفطاحل السطوة على أفكار الآخرين وترويجها بسلخ معالم لغتها الأصلية عنها، ونقعها بحبر عربي لتظهر لنا معلومة محلية للغاية..

دمشق
———————————————

الطموح ثم الغربة!

الطموح ثم الغربة!

النهضة
عمر الشيخ

يناطح السوري في معجزات الحياة حتى يجد ما يمكن أن يعمل به ليحبه مرغماً تارةً كي يغطي نفقات الحياة، أو ليكبر حبه لعمله حتى يرى نفسه من خلاله، لعله يتواصل مع الناس والآخرين من خلال عمله، أو قد تجده ازدواجياً في تركيبة شخصيته ليفصل حياته العملية عن حياته المهنية، ولكن أين الإنسان في كل ذلك..؟
في حقل عملنا لا تختلف كثيراً الماكينة المبرمجة على أداء بعض الوظائف عمّا نقوم به يومياً من تفصيل مقالات ورصد أحداث وقراءة واقع، بغض النظر عن أولويات تلك الرؤى إلا أننا نعمل كما الماكينة تماماً، نعمل هنا وهناك بحب، لا كي نحصّل المبالغ الزهيدة التي تمنح أجرة لما نكتب، لكننا نعمل لنؤكد للإنسان بداخلنا أنه لا يزال يستطيع الحب والعمل معاً، وطموحه في المعرفة لا يتوقف في منبر أو تجربة مع مؤسسة معينة، يتشعب بطاقته في كل مكان تقريباً حتى في الجلسات العابرة نستنزف الطاقة لنشعر أننا اجتماعيون قليلاً لا نصطاد بالماء العكر عند أول فضيحة لهذا أو أبرز أخطاء ارتكبها ذاك..
في سورية يؤمن الصحفي بأنه طاقة هائلة لا تقهر، لا يقيس على مقص الرقيب بقدر ما يحذر من تمرير فكرته بذكاء، وهذه المرونة هي ما أكسبته الرغبة في العمل بأكثر من وسيلة إعلامية، وحين تجده تجاوز نفسه تقريباً ينظر للخارج، لينقل طاقته ببصمة حرفية إلى أماكن ما بعد المحلية تمنح له أفقاً أكبر للتعامل مع قارئ شمولي أوسع ثقافة وأكثر تقصياً في إيجاد ما يلفته من بين ركام المحطات التلفزيونية أو الصحف المرموقة والأكثر انتشاراً وحرفةً، إلى هنا أين هي البصمة التي حملها معه إلى تلك المطابخ الإعلامية، هل يؤمن الصحفي السوري بأن المكان الذي توجه إليه شخصياً أو ندب إليه بترشيح ما هي تلك الإضافة التي سترتقي بها تجربته أم العكس..؟
بين الطموح والغربة نجد زملاءً لنا تركوا المهنة هنا ووجدوا في بلاد أخرى ملاذاً أكبر وطموحاً أوسع ومعرفة أشمل، إلا أنهم يعملون ضمن صيغة مؤسسة واحدة تجبرهم على توقيع عقود احتكار علني لئلا يعملوا مع أي جهة إعلامية أخرى، على عكس ما كان متوفراً لهم هنا من تجارب في الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب في معظم نواحيه، بعيداً عن التشتت، كانت الفضاءات مختلفة والوجوه أيضاً، وبنية التكتيك المهني، وعلى بساطة ما يتمتع به الإعلام المحلي من تقنيات ورؤى لكنه يمتلك كوادر حرفية عالية ومميزة، وهذا ما يشهد به الإعلام العربي منذ أكثر من نصف قرن، كانت تصدر صحف في سورية عديدة تقوم على صفحاتها سجالات وحوارات أغنت المجتمع بمحاورها وحلولها، أمّا الآن في ضوء إطلاق قانون الإعلام الذي سينال الإعلام الإلكتروني نصيبه منه، تظل الرؤيا غير واضحة، وربما لن تضيف إلى تقدم الإعلام خطوة إلى الأمام في مواجهة كل ما يحاك ضد بلادنا، وعليه فإن الكوادر المميزة تهاجر رويداً رويداً إلى الغربة لأسباب تتجلى في البحث عن عقليات متنورة إلى جانب تقييم مادي مناسب.
النقد الضمني لعمل المؤسسات يغيب بشكل أو بآخر، درءاً للفضيحة التي قد يلحقها فيما بعد سحب كل الكروت الرابحة مع الفريق الإداري لهذه المؤسسات، فهل نختار التستر على النقد مقابل غربة الأصوات التي تنتقد الخطأ وتشير له أو تقترح حلولاً أحياناً؟
حين ينتقد عمل مسرحي لخلل في بنيته تحسب القراءة على أنها شخصنة، وحين تمدح رواية لكاتبة جديدة تحسب على أنها شخصنة، وحين يفتح تحقيق في ظاهرة ثقافية تعتبر الآراء المأخوذة متواطئة للنيل من أحد… تلك هي الذهنية المريضة التي تعمل بها بعض المؤسسات الإعلامية على مستوى أفراد وجماعات، وهذه الشخصنة القائمة على سلطوية باذخة يدعمها أحد ما تلغي أي مشروعية للحوار طالما كان التخوين خطاً فاصلاً بين الصواب والخطأ..
نريد لسورية ألا يهجر ضلعٌ من ضلوعها إلى الغربة بحثاً عن أي شيء، فلمَ لا تتوقف تلك الهجرات المحزنة التي يستوحش من بعدها الناس وتضيق بهم أمكنتهم للحاق بأحبائهم، ها هو الإنسان إذاً أيها السادة يظهر في كل مكان ملوحاً لنا ببعض الحكمة في قرارتنا تجاه سوريتنا وتجاه عملنا الذي نحب.