دمشق
صحيفة تشرين
تشرين الثقافي
الثلاثاء 10 شباط 2009
عمر الشيخ

من هناك حيث آخر الأرض من أقصى الشمال البارد، ثمّة حياة مشتعلة بقوةِ الشّعر، ومدن ترسم هواجسها كما يحلم بها عشاقها، رؤيا من حواف النهائي، مولود غريب حزنه لا يشبه أحزاننا، وطريقة حبّه لا تنطبق على قلوبنا بالأمر السّهل، ثمّة إذاً وسيط كي تدخل هذه التّحف الحسّية إلى أرواحنا، هذا الوسيط هو الشّعر .
بتقديم من الشاعر السوري(سليم بركات) المقيم في السويد، تفتتح أنتلوجيا الشعر السويدي صفحاتها الأولى، غير أنّ تلك المقدمة الزخمة لغةً في توصيف قصيدة النثر التي تعبر إلينا من تلك البلاد تتبلور في رؤيا واثقة كمهيئ أولي لشهية التناول، أما كلمة المترجمين (إبراهيم عبد الملك ـ جاسم محمد) فهي وثيقة لإشعال شمعة أخرى كي تتسنى لنا قراءة الشعر على ضوئها المختلف.
في كثير من شعر هذه الأنتلوجيا ومضات هائلة تفجر الكثير من الرغبات، فاللغة البسيطة و الارتكاز اليومي على مفردات شفوية جعل من هذا العمل نصوصاً مفتوحة على قصيدة النثر ولكن بصياغات جديدة ، تتناول أحداً وعشرين شاعراً وشاعرة من أجيال مختلفة وتجارب متنوعة تتراوح الفترة الزمنية بين جيل السبعينيات حتى العقد الأول من الألفية الثالثة، ولكن في أشدّ بريق شعري وأكثره خصوصية.
ولو تناولنا بعض الأمثلة عن هؤلاء الشعراء القادمين من مدن الثلج، لوجدنا أن للثلج حنانه الذي يؤرخ القصائد بمزاج مختلف ومميز، حيث يقول الشاعر (برونو ك. أوير ) في مختارته التي تفتتح (أنتلوجيا الشعر السويدي الحديث) من مجموعة (بينما السّم يسري) :
(في باطن مشطٍ قديم بياضه كالعظم / تكمن ذرّات شرر كهربائي متبقية من شخوص/ مشّطوا شعرهم عند النّافذة /وحبسوا أنفسهم في الدّاخل / ابتكروا مفتاحاً للظلام الكبير الذي نستحق ) ص 21، من تلك الطقوس لبوصلة هذا الشاعر يمكننا القول إن الواضح هو الإسهاب في المحسوس،والاتكاء على عفوية الأحلام وذلك برفع أساطير الذاكرة وتنقيتها من شوائب الزمن بكلام الحب المكهرب،يقول أيضاً : (منذ زمن بعيدٍ فهمتِ/لماذا أنّ الإيمان بالشيء هو في الوقت ذاته/ مطاردته/ وتدنيسه ثانية/ )ص30، هكذا تلعب اللغة على شاعرية التفاصيل الصغيرة في باطن البديهي ،حيث على هذا المنوال تسير لغة معظم شعراء هذه الأنتلوجيا .
أمّا الشاعرة (إيفا رونفلت) فهي تتداول طرقاً أخرى في اقتناء الكلمات، حيث التكنيك اللغوي وفوضى الصور ما يحتمل وما يتعدّى بصيرة التذوق في ذلك كله شيء كاف من الشّعر الجديد ربما، تقول: ( ما الذي يذكره القماش / -فم الرجل الأعمى،قناع الأثير/فوق فمي التوأم، البسكويت القديم الطري/في فمي:
«لاتلتفتي»/زجاج،شفاف، أزرق، أخضر،/تذكري الصور دائماً،للعالم/ أحياناً بسمة صافية )، وعن التصاوير النافرة ذات الإضاءة التشكيلية العالية تقول مثلاً : (أطوي الطريق حولي الآن /وكأنني قماش / أريد أن أغطيك /وقدمي في ما لا خارطة له /حقيقة هي /أنك تفتح القفص الصدري /وأدخل فيه كي أكسو ذاتي هناك )ص39، أحياناً الخيال صورة ليزرية تجابه الموت، وتفنّد حاسة السواد إلى ارتياح نفسي يعتمد خصوبة شعرية شاسعة، يقودنا هذا المقطع:(أيلٌ وحيد القرن/في كهف اللحظة الأبيض/ لا ليل الملح بين/ الأصابع نحن غالباً موتى وخارج الذكرى )ص 42.
تتفاوت المستويات في أمر التجربة وهذا شيء طبيعي، حيث يمكننا أن نجد لدى الشاعرة (إيفا ستروم) تلك التنقلات من خلال التطوير البنيوي للقصيدة،فأحياناً كثيرة تبدو النصوص غامضة للوهلة الأولى وهذا احتراف شعري يسجل،وأحيانا ثمّة ابتكارات لغوية في الحديث عن الذات، بشفافية خفيفة وانغمار تعبيري بارع خدم الحالة وجسّدها قصيدةً مفتوحة على احتمالات القارئ، مثلاً في قصيدة للشاعرة نفسها (إيفا ستروم) بعنوان: (الأبجدية المظلمة) تقول :(اقرأ، اقرأها/ أبجديتي المظلمة / قبل اختفائها/أنا مخطوط /تُمحق / اقرأني مادمت كلمات/ اقرأني مادمت رمزاً / بغتةً من أجل حبٍّ عابر خُلقتْ شحمتا أُذنيّ /هيا،أحببني/ زمن نووي بعد آخر )،ص 73 ، هذا النهم الشبق بمكونات ثقافة الشاعرة يطفي أروقة َ رخامٍ منقوش عليه الكثير من الفرح ..!
بينما تؤكد الشاعرة (كاتارينا فروستنسون) أن القصيدة في ألقها الحدثوي يجب أن تستنطق التفاصيل المستهلكة، كما تفعل هي باستخدام موسيقا اللغة يمكنها توزيع إيقاعاتها على كامل النص دون دخول حشوات تجميلية من أنزيمات الزمن المتداولة،أو أي معالجات لغوية تفتك برقة الحالة وتبعدها عن شاعرها، تقول كاتارينا :(عَبَر أرقُكَ إلى دمي/ فابيضت الليالي /الربيع لم يأتِ بغفوةٍ،هنا/ في الجانب الآخر من الخليج،/ السهر أكثر عرياً من سواه ..)ص79 وأيضاً: (الأشياء تحدق /تبدو هكذا، وهكذا بالتحديد أبدو أنا في /الباطن/كما أنتم- تبدون/ حين أراكم.ثانية. كما أنتم. دون. باقون- /أنا بلا جواب/ لي أنا أكون وحسب؟ صامتة) ص91، لعل اشتغال تلك الشاعرة على حساسية خاصة أغنى تجربتها بالكثير من التنوع لأنها تنتمي إلى جيل سبعينيات القرن الماضي، وهي تأكيد على تطور الحالة الإبداعية للنص الشعر في تلك القارة خلال أربعين عام.
سنلاحظ أن طقوس هذه الأنتلوجيا تختلف كلياً عما يتوقعه البعض من برودة شعرية، لأنها قصائد موقوتة تنفجر لمجرد ملامستها ضوء العين وأصيص الروح، فالقارئ سيذهل بما قد يكتشفه في زمن تراكمت فيه الترجمات الرديئة والخائنة،والمتصرفة في أكثر الأحيان،لأن نصاً كهذا: (الحب أطول من أن تنطق،/لكنها الكلمة الوحيدة/التي لم أخلعها عني كما أخلع ملابسي،/أمام مرفأ ليلة جديدة منسيٍّ من القرون الوسطى)ص107، يكشف أن نصوص الشاعر (يوهان نوردبيك) لها طابع ذو تركيب شعري ينتمي إلى إعادة التعبير لتأكيد حاجته بلا مراوغة أو دهاليز، فهو واضح لأنه حب (فقط) وكلنا بحاجة له !!
أما الشاعرة (آن يادرلوند) فتتصف قصائدها المختارة، بقليل من الغنائية غالباً ما تنجح في إخفائها خلال ومضات شعرية مكثفة ذات حساسية فائضة عن حاجة النص، مستخدمةً كسابقها من الشعراء تكرار العبارة للتأكيد ولكن أخفقت قليلاً هنا،وهذا ما يؤكد استمرارية الغنائية، تقول (آن يادرولوند(: (صوتٌ في صمتٍ ناعم /طرياً يدخل نحوي /العيون أيضاً لون ٌ طري/بدفء عائم بصمتٍ قُبَلْ/ تحت الأهداب بصمتٍ قُبَلْ) ص130و131، إلا أن تماساتها الشعرية تخرج من تلك الغنائية أحياناً، لتموسق ألحانها كأنثى كناري يتدفق من تنهيداتها صوتٌ للألوان النزقة الرافضة للخجل: ( إنها قمرُ لكنَّ اسمها شمع /إنها جُنيَةٌٌ لكنَّ اسمها قمرٌ /إنها الأشعة القوية/إذاً فهي أنوثتي )ص 136،
تزخم مفردات الطبيعة في قصائد هذه الأنتلوجيا، كالشاعر (آرنه يونسون) في قصيدة من وحي الغابات يقول: (سيأتي الخريف/يُقطع فيه السواد ويحلُّ /بلى، ولا حتى أنتِ أنا يمكننا منع/ السواد من التفشي / غداً تتفتح الغابات بتيجان معتمة وارفةِ الظلال قريباً/ تخضر الأشجار كلّها..)ص146 وأيضاً يقول:( الانتظار يطلق الداء/ فطرٌ أصفر، طفح جراح مفتوحة تزين/ البيت الأشجار الأوراق أحدهم يجمع أعشاباً طبية/ يعبئ العدوى في زجاج وكأنها حيوانات ناقصة :/ أجنحة مشدودة جلد سحليةٍ مجرّح أفواه دامية/لا شفاه هناك تعالي وانظري / هذا أنا ) ص149، إن تداخل عناصر الطبيعة بصدى ألوانها تبدلاتها الإيديولوجية هو إعادة ترتيب لوصفة شعرية أقرب ما تكون إلى هاجس التجديد في تكوين الصورة الفنية تشكيلياً وبحضور الرسم أحياناً كثيرة، و في إحدى رسائل (آرنه يونسون) إلى حبيبته يخط تأريخاً لغرامه بهذا الكم الكبير من العاطفة، وبتلك الانسيابية الراعشة يدندن صفيره في كل الجهات:( هكذا إذاً ،/إن احتجتِ إليّ /اشربيني مع النبيذ) ص144 ومضة ناصعة البياض، وسعيٌ إلى الارتقاء بحميميةِ قطراتٍ شعرية لامعة كذهب الشهقات، من زجاج وماء ومكسرات ذاكرة تفتش عن الاشتياق، يقول: ( رسالة /من زجاج وماء / لستُ أكثر من طيرٍ مدبّر ذائبٍ في المطر/ مسكوبٌ على نافذتكِ افتحي/فأحلَّ حبر دفتر يومياتكِ /وماسكارَتكِ/ولوحاتكِ المائية وسمائكِ الزرقاء /اقرئي شفافيّتي)ص143، يا لها من أهازيج ساخنة تعبر الرئتين، ويتنفسها دم المتلقي، كما لو أنها عطر سويدي فاخر مثقل بالرغبةِ المشتهاة لأكثر الأفعال نشوةً .
أما الاشتغال على حدث الموت فكان للشاعرة (ماري لوندكفيست) الوقع الأقوى والأجمل، حيث جاءت تقنيتها عن الموت خاصة وبسيطة، حاملةً كمّاً هائلاً من التدفق الشعري، ما يبيح القول إن التخيل اللغوي بتوجسه الصادق يمكن أن يفرز من الموت شعراً، فالموت عامل أساسي لدى أكثر الشعراء في السويد، فقط لأنه لا يمكنه أن يتغلب على العاشقين: (الموتى يعبرون/من بوابة الضوء/ يطرقون على النافذة/ بأيدٍ صغيرة رقيقة /ويسمون أنفسهم مطراً ) ص182
وأيضاً هذه المقطوعة من مجموعة كاملة تحت عنوان (كتاب الموتى) :(أرني وجهك/ كما كان / قبل أن يهذب الموت ملامحه /ويطفئ الشهوة /ذلك اللهب الصغير الأزرق / الذي دفّأ /حبات القمح/وملأ فمك بالقبل والخبز/)ص184.
هكذا تنقلنا أنتلوجيا الشعر السويدي إلى تجارب متنوعة تستحق المحاكمة والمتابعة، لما فيها من تمخض حقيقي في دراسة شاملة عن الشعر السويدي بقلم محرر الأنتلوجيا (ماغنوس وليام أولسن ) حيث يشخّص لنا أجواء نشأة الشعر الحديث في تلك البلاد، وبالتفاصيل المهمة يتناول بحثاً رائداً في التعامل مع النص عند ترجمته إلى اللغة العربية أو غيرها، وكيف هي الصعوبات التي حاول تخطيها مع المترجمين للحصول على صيغة لا تخون صاحب القصيدة ، فدراسته التي تختم هذه الأنتلوجيا تُعدّ بمنزلة وثائق لا بد من قراءتها قبل الدخول إلى العالم الشعري السويدي، لما فيها من توضيحات مرجعية وشروحات هامة عن حياة الشعر في قارة لا أعتقد أنها باردة، بل مليئة بالحبّ والشعر والثلج الرومنسي الذي يشبه شعراءهِ الحقيقيّين.
الكتاب: انتلوجيا الشّعر السّويدي
ترجمة: إبراهيم عبد الملك / جاسم محمّد
تقديم: سليم بركات
تحرير: ماغنوس ويليام أولسن / جاسم محمّد
صادر عن : دار المدى في دمشق 2009
هنا عبقٌ يشهد أن مداد قلمك من رحيق الياسمين.
كن دائم الألق أيها الناقد النقيّ والشاعر الأنقى
مودتي
إبراهيم عبد الملك